أنفسهم لها بصائر ، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتا. قاله الشعبي ، والسديّ ، وابن زيد ، وأبو صالح ، وهذا أرجح مما قبله. يقال : ثبت فلانا في هذا الأمر أثبته تثبيتا ، أي : صححت عزمه ، قوله : (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ) الجنة : البستان ، وهي : أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها ، مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارها. والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا ، وهي : مثلثة الراء ، وبها قرئ ؛ وإنما خصّ الربوة : لأن نباتها يكون أحسن من غيره ، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له ، قال الطبري : وهي : رياض الحزن التي تستكثر العرب من ذكرها ، واعترضه ابن عطية فقال : إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد ، لأنها خير من رياض تهامة ، ونبات نجد أعطر ، ونسيمه أبرد وأرق ، ونجد يقال لها : حزن ، وليست هذه المذكورة هنا من ذاك ، ولفظ الربوة مأخوذ من : ربا ، يربو ، إذا زاد. وقال الخليل : الربوة : أرض مرتفعة طيبة. والوابل : المطر الشديد كما تقدم ، يقال : وبلت السماء ، تبل ، والأرض موبولة. قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : (أَخْذاً وَبِيلاً) (١) أي : شديدا ، وضرب وبيل ، وعذاب وبيل (فَآتَتْ أُكُلَها) بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل ، كقوله تعالى : (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) (٢) وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص ، كسرج الفرس ، وباب الدار ، قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو : أكلها ، بضم الهمزة وسكون الكاف تخفيفا. وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : بتحريك الكاف بالضم. وقوله : (ضِعْفَيْنِ) أي : مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. فالمراد بالضعف : المثل ؛ وقيل أربعة أمثال ، ونصبه على الحال من أكلها ، أي : مضاعفا. قوله : (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) أي : فإن الطلّ يكفيها : وهو المطر الضعيف المستدقّ القطر. قال المبرد وغيره : وتقديره : فطل يكفيها. وقال الزجاج : تقديره : فالذي يصيبها طلّ ، والمراد : أن الطل ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين. وقال قوم : الطل : الندى. وفي الصحاح الطل : أضعف المطر ، والجمع أطلال. قال الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر. والمعنى : أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت متفاوتة ، ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة ، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير والقليل ، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها ، فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. وقوله : (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). قرأ الزهري : بالتاء التحتية ، وقرأ الجمهور : بالفوقية ، وفي هذا ترغيب لهم في الإخلاص مع ترهيب من الرياء ونحوه ، فهو : وعد ، ووعيد.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم في قوله : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) عن الربيع قال : «كان من بايع النبي صلىاللهعليهوسلم على الهجرة ورابط معه بالمدينة ولم يذهب وجها إلّا بإذنه كانت له الحسنة بسبعمائة ضعف ، ومن بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها». وأخرج مسلم ، وأحمد ، والنسائي ، والحاكم ، والبيهقي عن ابن مسعود أن رجلا تصدّق بناقة مخطومة في سبيل الله ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلّها مخطومة». وأخرج أحمد ، والترمذي ، وحسنه ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم ، وصححه ، والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من أنفق نفقة
__________________
(١). المزمل : ١٦.
(٢). إبراهيم : ٢٥.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
