وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل ، فقال : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) (١). وقال اللعين : (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٢) وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين ، فقوله : (أَرِنِي كَيْفَ) طلب مشاهدة الكيفية. قال الماوردي : وليست الألف في قوله : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) ألف الاستفهام ، وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير :
|
ألستم خير من ركب المطايا |
|
وأندى العالمين بطون راح |
والواو واو الحال ، و «تؤمن» : معناه : إيمانا مطلقا دخل فيه فضل إحياء الموتى ، والطمأنينة : اعتدال وسكون ، وقال ابن جرير : معنى (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) : ليوقن. قوله : (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) الفاء جواب شرط محذوف ، أي : إن أردت ذلك فخذ ، والطير : اسم جمع لطائر ، كركب : لراكب ، أو جمع ، أو مصدر ، وخص الطير بذلك ، قيل : لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان ؛ وقيل : إن الطير همته الطيران في السماء ، والخليل كانت همته العلوّ ؛ وقيل : غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع ، وليست إلّا خواطر أفهام وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله ، وعللا لما يرد في كلامه ، وهكذا قيل : ما وجه تخصيص هذا العدد فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد؟ فقيل : إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية ، فأعطي أربعا على قدر الربوبية ؛ وقيل : إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان ، ونحو ذلك من الهذيان. قوله : (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) قرئ بضم الصاد وكسرها ، أي : اضممهنّ إليك ، وأملهن ، واجمعهن ؛ يقال رجل أصور : إذا كان مائل العنق ؛ ويقال صار الشيء يصوره : أماله. قال الشاعر :
|
الله يعلم أنّا في تلفّتنا |
|
يوم الفراق إلى جيراننا صور |
وقيل : معناه : قطعهنّ ، يقال : صار الشيء يصوره : أي : قطعه ، ومنه قول توبة بن الحميّر :
|
فأدنت لي الأسباب حتّى بلغتها |
|
بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها |
أي : يقطعها ، وعلى هذا يكون قوله : (إِلَيْكَ) متعلقا بقوله : (فَخُذْ). وقوله : (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً) فيه الأمر بالتجزئة ، لأن جعل كل جزء على جبل تستلزم تقدّم التجزئة. قال الزجاج : المعنى : ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا ، والجزء النصيب. وقوله : (يَأْتِينَكَ) في محل جزم على أنه جواب الأمر ، ولكنه بني لأجل نون الجمع المؤنث. وقوله : (سَعْياً) المراد به : الإسراع في الطيران أو المشي.
وقد أخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : إن إبراهيم مرّ برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر ، فرأى دواب البحر تخرج فتأكل منه ، وسباع الأرض تأتيه فتأكل منه ، والطير يقع عليه فيأكل منه ، فقال إبراهيم عند ذلك : ربّ ، هذه دواب البحر تأكل من هذا ، وسباع الأرض والطير ،
__________________
(١). الإسراء : ٦٥.
(٢). ص : ٨٣.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
