في صحيحه. وقوله : (وَصِيَّةً) قرأها نافع ، وابن كثير ، وعاصم في رواية أبي بكر ، والكسائي : بالرفع ، على أن ذلك مبتدأ لخبر محذوف يقدر مقدما ، أي : عليهم وصية ؛ وقيل : إن الخبر قوله : (لِأَزْواجِهِمْ) وقيل : إنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : وصية الذين يتوفون وصية أو حكم الذين يتوفون وصية. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر : بالنصب ، على تقدير فعل محذوف ، أي : فليوصوا وصية ، أو : أوصى الله وصية ، أو : كتب الله عليهم وصية. وقوله : (مَتاعاً) منصوب بوصية ، أو بفعل محذوف ، أي : متعوهن متاعا ، أو جعل الله لهنّ ذلك متاعا ، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال. والمتاع هنا : نفقة السنة. وقوله : (غَيْرَ إِخْراجٍ) صفة لقوله : (مَتاعاً) وقال الأخفش : إنه مصدر ، كأنه قال لا إخراجا ؛ وقيل : إنه حال ، أي : متعوهن غير مخرجات ، وقيل : منصوب بنزع الخافض ، أي : من غير إخراج ، والمعنى : أنه يجب على الذين يتوفّون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة والسكنى من تركتهم ، ولا يخرجن من مساكنهنّ. وقوله : (فَإِنْ خَرَجْنَ) يعني باختيارهنّ قبل الحول (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أي : لا حرج على الوليّ والحاكم وغيرهما (فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ) من التعرّض للخطاب والتزين لهم. وقوله : (مِنْ مَعْرُوفٍ) أي : بما هو معروف في الشرع غير منكر. وفيه دليل : على أن النساء كنّ مخيرات في الحول وليس ذلك بحتم عليهنّ ؛ وقيل : المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهنّ ، وهو ضعيف ، لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله : (فِيما فَعَلْنَ) وقوله : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ) قد اختلف المفسرون في هذه الآية ، فقيل : هي المتعة ، وأنها واجبة لكل مطلقة ؛ وقيل : إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن ، لأنه قد تقدّم قبل هذه الآية ذكر المتعة للّواتي لم يدخل بهنّ الأزواج. وقد قدّمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض ؛ أو عامة للمطلقات ؛ وقيل : إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة ، وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض ، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط ؛ وقيل : المراد بالمتعة هنا : النفقة.
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان بن عفان : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) قد نسختها الآية الأخرى ، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال : يا بن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة ، فنسختها آية المواريث ، فجعل لهنّ الربع والثمن مما ترك الزوج. وأخرج ابن جرير نحوه عن عطاء. وأخرج نحوه أيضا أبو داود ، والنسائي عن ابن عباس من وجه آخر. وأخرج الشافعي ، وعبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة ؛ حسبها الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة قال : نسختها ـ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (١) وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج أيضا عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) قال : النكاح الحلال الطيب. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : لما نزل قوله : (مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
__________________
(١). البقرة : ٢٣٤.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
