يرجع كل واحد منهما لصاحبه. قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحرّ إذا طلق زوجته ثلاثا ؛ ثم انقضت عدّتها ؛ ونكحت زوجا ؛ ودخل بها ؛ ثم فارقها ؛ وانقضت عدّتها ؛ ثم نكحها الزوج الأوّل ؛ أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. قوله : (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ) أي : حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك ، بأن يعلما أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله ، أو ترددا أو أحدهما ولم يحصل لهما الظنّ ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح لأنه مظنة للمعصية لله والوقوع فيما حرّمه على الزوجين.
وقوله : (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) إشارة إلى الأحكام المذكورة كما سلف ، وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم وغيره ، ووجوب التبليغ لكل فرد ، لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور. وقد أخرج مالك ، والشافعي ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ؛ ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها ؛ كان ذلك له ؛ وإن طلقها ألف مرة ، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها ، حتى إذا ما دنا وقت انقضاء عدتها ارتجعها ، ثم طلقها ، ثم قال : والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدا ، فأنزل الله : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق ومن لم يطلق. وأخرج نحوه الترمذي ، وابن مردويه ، والحاكم ، وصححه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وأخرج البخاري عنها : أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق ، قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فنزلت : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ). وأخرج عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، وأبو داود في ناسخه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي رزين الأسدي قال : قال رجل «يا رسول الله! أرأيت قول الله : الطّلاق مرّتان ، فأين الثالثة؟ قال : التسريح بإحسان الثالثة». وأخرج نحوه ابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قال : قال الله للثالثة : (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب قال : التسريح في كتاب الله الطلاق. وأخرج البيهقي من طريق السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم في قوله : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) قالوا : وهو الميقات الذي تكون فيه الرجعة ، فإذا طلق واحدة أو اثنتين ، فإما أن يمسك ويراجع بمعروف ، وإما أن يسكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها. وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نحلها وغيره ، لا يرى أن عليه جناحا ، فأنزل الله : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) فلم يصح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهنّ إلا بحقها ، ثم قال : (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) وقال : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (١). وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) قال : إلّا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها ، فتدعوك إلى أن تفتدي منك فلا جناح عليك فيما افتدت به. وأخرج مالك ، والشافعي ، وأحمد ،
__________________
(١). النساء : ٤.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
