الأمة : «وعدّتها حيضتان» فهو حديث أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والدارقطني ، والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعا. وأخرجه ابن ماجة ، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا أيضا ، ودلالته على ما قاله الأولون قوية. وأما قولهم : إن المقصود من العدّة استبراء الرحم ، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. فيجاب عنه بأنه إنما يتم لو لم يكن في هذه العدّة شيء من الحيض ، على فرض تفسير الأقراء بالأطهار ، وليس كذلك ، بل هي مشتملة على الحيض ، كما هي مشتملة على الأطهار ، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) فيجاب عنه بأن التنازع في اللام في قوله : (لِعِدَّتِهِنَ) يصير ذلك محتملا ، ولا تقوم الحجة بمحتمل. وأما استدلالهم بقوله صلىاللهعليهوسلم لعمر : «مره فليراجعها» الحديث ، فهو في الصحيح ، ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه ، ويمكن أن يقال : إنها تنقضي العدّة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض ، ولا مانع من ذلك فقد جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه ، وبذلك يجمع بين الأدلة ، ويرتفع الخلاف ، ويندفع النزاع. وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله : قروء ، وهي جمع كثرة دون أقراء التي هي من جموع القلة. وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. قوله : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ) قيل : المراد به : الحيض ؛ وقيل : كلاهما ، ووجه النهي عن الكتمان : ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج وإذهاب حقه ؛ فإذا قالت المرأة : حضت ، وهي لم تحض ، ذهبت بحقه من الارتجاع ؛ وإذا قالت : لم تحض ، وهي قد حاضت ، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه ، فأضرّت به ، وكذلك الحمل ، ربما تكتمه لتقطع حقه من الارتجاع ، وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة ، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج. وقد اختلفت الأقوال في المدّة التي تصدّق فيها المرأة إذا ادعت انقضاء عدّتها. وقوله : (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فيه وعيد شديد للكاتمات ، وبيان أن من كتمت ذلك منهنّ لم تستحق اسم الإيمان. والبعولة : جمع بعل وهو الزوج ، سمي : بعلا ، لعلوّه على الزوجة لأنهم يطلقونه على الرب ، ومنه قوله تعالى : (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) (١) أي : ربا ؛ ويقال : بعول ، وبعولة ، كما يقال في جمع الذكر : ذكور ، وذكورة ، وهذه التاء لتأنيث الجمع ، وهو شاذ لا يقاس عليه ، بل يعتبر فيه السماع ؛ والبعولة أيضا تكون مصدرا من : بعل الرجل يبعل ، مثل : منع يمنع ، أي : صار بعلا. وقوله : (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ) أي : برجعتهنّ ، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها ، فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ) لأنه يعم المثلثات وغيرهنّ. وقوله : (فِي ذلِكَ) يعني : في مدة التربص ، فإن انقضت مدّة التربص فهي أحق بنفسها ، ولا تحلّ له إلا بنكاح مستأنف بوليّ وشهود ومهر جديد ، ولا خلاف في ذلك ؛ والرجعة تكون باللفظ ، وتكون بالوطء ، ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف. وقوله : (إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً) أي : بالمراجعة : أي : إصلاح حاله معها وحالها معه ، فإن قصد الإضرار بها فهي محرّمة ، لقوله تعالى : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (٢) قيل : وإذا قصد بالرجعة الضرار فهي صحيحة ، وإن ارتكب بذلك محرّما وظلم نفسه ، وعلى هذا : فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح ، والزجر لهم عن قصد الضرار ، وليس المراد به :
__________________
(١). الصافات : ١٢٥.
(٢). البقرة : ٢٣١.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
