أي : لا يتكلمن بالساقط والرفث ، ومعنى الآية : لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم ، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم ، أي : اقترفته بالقصد إليه : وهي اليمين المعقودة ، ومثله قوله تعالى : (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) (١) ومثله قول الشاعر :
|
ولست بمأخوذ بلغو تقوله |
|
إذا لم تعمّد عاقدات العزائم |
وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو ، فذهب ابن عباس ، وعائشة ، وجمهور العلماء أيضا : أنه : قول الرجل : لا والله ، وبلى والله في حديثه وكلامه ، غير معتقد لليمين ، ولا مريد لها. قال المروزي : هذه معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء. وقال أبو هريرة وجماعة من السلف : هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو ما ظنه ، وإلى هذا ذهبت الحنفية ، والزيدية ، وبه قال مالك في الموطأ. وروي عن ابن عباس أنه قال : لغو اليمين : أن تحلف وأنت غضبان ، وبه قال طاوس ومكحول. وروي عن مالك ؛ وقيل : إن اللغو هو يمين المعصية ، قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن الزبير ، وأخوه عروة ، كالذي يقسم ليشر بن الخمر ، أو ليقطعن الرحم ؛ وقيل : لغو اليمين : هو دعاء الرجل على نفسه : كأن يقول : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم. وقال مجاهد : لغو اليمين : أن يتبايع الرجلان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا. وقال الضحاك : لغو اليمين : هي المكفرة ، أي : إذا كفرت سقطت وصارت لغوا. والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي ، ولدلالة الأدلة عليه كما سيأتي. وقوله : (وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي : حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد وقصد. وآخذكم بما تعمدته قلوبكم ، وتكلمت به ألسنتكم ، وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) يقول : لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ، ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير. وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير عنه : هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ، أو لا يتصدق ، ويكون بين رجلين مغاضبة فيحلف لا يصلح بينهما ، ويقول : قد حلفت ، قال : يكفر عن يمينه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : جاء رجل إلى عائشة فقال : إني نذرت إن كلمت فلانا فإن كل مملوك لي عتيق ، وكل مال لي ستر للبيت ، فقالت : لا تجعل مملوكيك عتقاء ولا تجعل مالك سترا للبيت فإن الله يقول : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) فكفر عن يمينك. وقد ورد أن هذه الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. رواه ابن جرير عن ابن جريج ، والقصة مشهورة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه». وثبت أيضا في الصحيحين وغيرهما : أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني». وأخرج ابن ماجة ، وابن جرير عن عائشة قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه».
__________________
(١). المائدة : ٨٩.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
