وإصلاحكم بين الناس ، ويتعلق قوله : (لِأَيْمانِكُمْ) بقوله : (لا تَجْعَلُوا) أي : لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعا وحاجزا ، ويجوز أن يتعلق بعرضة ، أي : لا تجعلوه شيئا معترضا بينكم وبين البرّ ، وما بعده. وعلى المعنى الثاني : وهو أن العرضة : الشدة والقوّة ، يكون معنى الآية : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم ، وعدّة في الامتناع من الخير. ولا يصح تفسير الآية على المعنى الثالث ، وهو تفسير العرضة بالهمة ـ وأما على المعنى الرابع : وهو من قولهم : فلان لا يزال عرضة للناس ، أي : يقعون فيه ، فيكون معنى الآية عليه : ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم ، فتبتذلونه بكثرة الحلف به ، ومنه : (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) (١). وقد ذمّ الله المكثرين للحلف فقال : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (٢). وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم :
|
قليل الألايا حافظ ليمينه |
|
وإن بدرت (٣) منه الأليّة برّت |
وعلى هذا فيكون قوله : (أَنْ تَبَرُّوا) علة للنهي ، أي : لا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم إرادة أن تبروا ، وتتقوا ، وتصلحوا ، لأن من يكثر الحلف بالله يجترئ على الحنث ويفجر في يمينه. وقد قيل في تفسير الآية : أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها ، فمن ذلك قول الزجاج : معنى الآية : أن يكون الرجل إذا طلب منه الفعل الذي فيه خير اعتل بالله ، فقال : علي يمين ، وهو لم يحلف ؛ وقيل : معناها : لا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البرّ والتقوى والإصلاح ، وقيل : معناها إذا حلفتم على أن لا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا عن اليمين. وقد قيل : إن قوله : (أَنْ تَبَرُّوا) مبتدأ خبره محذوف ، أي : البرّ والتقوى ، والإصلاح أولى. قاله الزجاج. وقيل : إنه منصوب ، أي : لا تمنعكم اليمين بالله البرّ والتقوى والإصلاح ، وروي ذلك عن الزجاج أيضا ؛ وقيل : معناه : أن لا تبروا ، فحذف لا ، كقوله : (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (٤) أي : لا تضلوا. قاله ابن جرير الطبري ؛ وقيل : هو في موضع جرّ على قول الخليل والكسائي ، والتقدير : في (أَنْ تَبَرُّوا) وقوله : (سَمِيعٌ) أي : لأقوال العباد (عَلِيمٌ) بما يصدر منهم. واللغو : مصدر لغا يلغو لغوا ، ولغى يلغي لغيا : إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه ، وهو الساقط الذي لا يعتدّ به ، فاللغو من اليمين : هو الساقط الذي لا يعتدّ به ، ومنه : اللغو في الدية ، وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد الإبل ، قال جرير :
|
ويذهب بينها (٥) المرئيّ لغوا |
|
كما ألغيت في الدّية الحوارا |
وقال آخر :
|
وربّ أسراب حجيج كظّم |
|
عن اللّغا ورفث التّكلّم |
__________________
(١). المائدة : ٨٩.
(٢). القلم : ١٠.
(٣). في القرطبي (٣ / ٩٧) : صدرت. وفي اللسان ، وديوان كثيّر ص ٣٢٥ : سبقت.
(٤). النساء : ١٧٦.
(٥). في لسان العرب ، مادة «لغا» : ويهلك وسطها. والبيت قاله ذو الرّمّة يهجو هشام بن قيس المرئيّ ، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
