إلى الله ، ويمكن أن يجعل هذا ، أعني قوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) دليلا على الثاني ، لأن المؤمنين إذا كانوا أشدّ حبا لم يكن حبّ الكفار للأنداد كحبّ المؤمنين لله ؛ وقيل : المراد بالأنداد هنا : الرؤساء ، أي : يطيعونهم في معاصي الله ، ويقوي هذا : الضمير في قولهم : (يُحِبُّونَهُمْ) فإنه لمن يعقل ، ويقوّيه أيضا : قوله سبحانه عقب ذلك : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) الآية. وقوله : (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) قراءة أهل مكة والكوفة وأبو عمرو بالياء التحتية ، وهو اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة وأهل الشام بالفوقية ، والمعنى على القراءة الأولى : لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة ؛ لعلموا حين يرونه أن القوّة لله جميعا ، قاله أبو عبيد. قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. انتهى. وعلى هذا : فالرؤية هي البصرية لا القلبية. وروي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد ، وليست عبارته فيه بالجيدة ، لأنه يقدّر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب ، فكأنه يجعله مشكوكا فيه. وقد أوجبه الله تعالى ، ولكن التقدير هو الأحسن : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله ـ ويرى بمعنى : يعلم ، أي : لو يعلمون حقيقة قوّة الله وشدّة عذابه. قال : وجواب لو محذوف ، أي : لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما حذف في قوله : (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) (١) (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) (٢) ومن قرأ بالفوقية فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعا. وقد كان النبيّ صلىاللهعليهوسلم علم ذلك ولكن خوطب بهذا الخطاب ، والمراد به أمته ؛ وقيل : (أَنَ) في موضع نصب مفعول لأجله ، أي : لأن القوة لله ، كما قال الشاعر :
|
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره |
|
وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّم |
أي : لادّخاره ؛ والمعنى : ولو ترى يا محمد! الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب ـ لأن القوّة لله ـ لعلمت مبلغهم من النكال ، ودخلت (إذا) وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر (إِذْ يَرَوْنَ) بضم الياء ، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو جعفر (أَنَّ الْقُوَّةَ) ، (وَأَنَّ اللهَ) بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف ، وعلى تقدير القول. وقوله : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) بدل من قوله : (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ) ومعناه : أن السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر. وقوله : (وَرَأَوُا الْعَذابَ) في محل نصب على الحال : يعني التابعين والمتبوعين ؛ قيل : عند المعاينة في الدنيا ؛ وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة. ويمكن أن يقال : فيهما جميعا ، إذ لا مانع من ذلك. وقوله : (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) هي جمع سبب ، وأصله في اللغة : الحبل الذي يشدّ به الشيء ويجذب به ، ثم جعل كل ما جرّ شيئا سببا ، والمراد بها : الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم وغيره ، وقيل : هي الأعمال. والكرّة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت ، ولو هنا في معنى التمني ، كأنه قيل : ليت لنا كرّة ؛ ولهذا وقعت الفاء في الجواب. والمعنى : أن الأتباع قالوا : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم كما تبرّؤوا منا. والكاف في قوله : (كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) في محل نصب على النعت لمصدر محذوف ؛ وقيل : في محل نصب على الحال ، ولا أراه صحيحا. وقوله : (كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ) في موضع رفع ، أي : الأمر كذلك ، أي :
__________________
(١). الأنعام : ٢٧.
(٢). الأنعام : ٣٠.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
