وقوله : (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) هو غاية ما أمر الله سبحانه به من العفو والصفح ، أي : افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم ، بما يختاره ويشاؤه ، وما قد قضى به في سابق علمه ، وهو قتل من قتل منهم ، وإجلاء من أجلي ، وضرب الجزية على من ضربت عليه ، وإسلام من أسلم. وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) حثّ من الله سبحانه لهم في الاشتغال بما ينفعهم ، ويعود عليهم بالمصلحة ، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم ، وينصرهم على المخالفين لهم.
وقد أخرج ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس أنه قال : قال رافع بن حريملة ووهب ابن زيد لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : يا محمد! ائتنا بكتاب ينزل علينا من السماء نقرؤه ، أو فجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك ، فأنزل الله في ذلك : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) إلى قوله (سَواءَ السَّبِيلِ) وكان حيي بن أخطب (وأبو ياسر بن أخطب) (١) من أشدّ اليهود حسدا للعرب إذ خصّهم الله برسوله ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا ، فأنزل الله فيهما : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) الآية.
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن السدي : قال : سألت العرب محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يأتيهم بالله ، فيروه جهرة ، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن أبي العالية قال : قال رجل : لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «ما أعطاكم الله خير ، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفّارتها ، فإن كفرها كانت له خزايا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزايا في الآخرة. وقد أعطاكم الله خيرا من ذلك ، قال : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) (٢) الآية ، والصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ، فأنزل الله : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) الآية. وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد قال : سألت قريش محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، فقال : نعم ، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم ، فأبوا ورجعوا ، فأنزل الله : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ) أن يريهم الله جهرة. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله : (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ) قال : يتبدل الشدّة بالرخاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) قال : عدل عن السبيل. وأخرج أبو داود ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك قال : كان اليهود والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه أشدّ الأذى ، فأمر الله بالصبر على ذلك ، والعفو عنهم ، وأنزل الله (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) وفي الصحيحين وغيرهما عن أسامة بن زيد قال : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله تعالى : (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) (٣) وقال : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) (٤) الآية ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به ، حتى
__________________
(١). ما بين قوسين سقط من المطبوع واستدركناه من الدر المنثور (١ / ٢٦٠)
(٢). النساء : ١١٠.
(٣). آل عمران : ١٨٦.
(٤). البقرة : ١٠٩.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
