لها من الأعمدة. يقال : عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القضبان. (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) متروكات على وجه الأرض لم تعرش. (و) أنشأ (النَّخْلَ) المثمر لما هو فاكهة وقوت ، (وَالزَّرْعَ) المحصل لأنواع القوت (مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) أي : ثمره وحبّه في اللون والطعم والحجم والرائحة. (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً) في اللون والشكل ، ورقهما (وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) في الطعم (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ) أي : كلوا من ثمر كل واحد مما ذكر ، إذا أدرك.
قال الرازي : لما ذكر تعالى كيفية خلقه لهذه الأشياء ، ذكر ما هو المقصود الأصليّ من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) واختلفوا ما الفائدة منه؟ فقال بعضهم : الإباحة. وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله ، لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر. فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف. وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل ، وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير. قال تعالى : (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) [القصص : ٧٧] انتهى.
(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) قرئ بفتح الحاء وكسرها. وهذا أمر بإيتاء من حضر يومئذ ما تيسر ، وليس بالزكاة المفروضة ـ هكذا قال عطاء ـ أي : لأن السورة مكية ، والزكاة إنما فرضت بالمدينة. وكذا قال مجاهد : إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه. وفي رواية عنه : عند الحصاد يعطي القبضة ، وعند الصرام يعطي القبضة ويتركهم يتبعون آثار الصرام. وهكذا روي عن نافع وإبراهيم النخعي وغيرهم. وعند هؤلاء أن هذا الحق. باق لم ينسخ بالزكاة ، فيوجبون إطعام من يحضر الحصاد لهذه الآية. ومما يؤيده أنه تعالى ذم الذي يصرمون ولا يتصدقون ، حيث قصّ علينا سوء فعلهم وانتقامه منهم. قال تعالى في سورة (ن) : (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) [القلم : ١٧ ـ ٢٠] أي : كالليل المدلهمّ ، سوداء محترقة. (فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ...) [القلم : ٢١ ـ ٢٤] الآيات.
وذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة ، حكاه ابن جرير عن ابن عباس وثلة من التابعين.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
