الثالث ـ قال الرازي : احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلىاللهعليهوسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وتقريره : أنا بيّنا أن خصال الكمال ، وصفة الشرف ، كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ، ويوسف كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وموسى عليهالسلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة ، والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس كان صاحب التضرع ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء ، لأن الغالب عليه خصلة معينة من خصال المدح والشرف. ثم إنه تعالى لما ذكر الكل ، أمر نبينا صلىاللهعليهوسلم بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكأنه أمر بأن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به ، فثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال ، وثبت أنه أفضلهم. وهو استنباط حسن.
الرابع ـ (اقْتَدِهْ) يقرأ بسكون الهاء وإثباتها في الوقف دون الوصل ، وهي على هذا هاء السكت. ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا لشبهها بهاء الإضمار. ومنهم من يكسرها وفيه وجهان : أحدهما هي هاء السكت أيضا ، شبهت بهاء الضمير ، وليس بشيء. الثاني هي هاء الضمير والمصدر أي : اقتد الاقتداء. ومثله :
|
هذا سراقة للقرآن يدرسه |
|
والمرء عند الرّشا ، إن يلقها ذيب |
(فالهاء) ضمير (الدرس) لا مفعول ، لأن (يدرس) قد تعدى إلى (القرآن). وقيل : من سكن الهاء جعلها هاء الضمير ، وأجرى الوصل مجرى الوقف ـ أفاده أبو البقاء ـ.
وأما قول الواحدي : الذين أثبتوا الهاء راموا موافقة المصحف ، فإن الهاء ثابتة في الخط ، فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل ، فأثبتوا ـ فقد قال الخفاجي : إنه مما لا ينبغي ذكره ، لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليدا للخط. فمن قاله فقد وهم.
(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) أي : على القرآن أو التبليغ. فإن مساق الكلام يدل عليهما ، وإن لم يجر ذكرهما ، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ) أي : عظة وتذكير لهم ليرشدوا من العمى إلى الهدى.
تنبيهان :
الأول ـ فيه دليل على أنه صلىاللهعليهوسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق ، من الجن والإنس. وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
