فما أورده الرازيّ من كونه صلىاللهعليهوسلم طردهم ، ثم أخذ يتكلف في الجواب عنه ، لمنافاته العصمة على زعمه ، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته ، وإلا فالباطل يكفي في رده ، كونه باطلا. وقد أوضحت ذلك في كتابي (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث). والمعنى : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك. كقوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف : ٢٨].
وقوله تعالى : (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) أي يعبدونه ويسألونه ، (بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) قال سعيد بن المسيّب وغيره : المراد به الصلاة المكتوبة.
وقوله تعالى : (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) المراد بالوجه الذات ، كما في قوله (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) ومعنى إرادة الذات الإخلاص لها ، والجملة حال من (يَدْعُونَ) أي : يدعون ربهم مخلصين له فيه ، وتقييده به لتأكيد علّيته للنهي ، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام ، المضاد للطرد.
وقوله تعالى : (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، كقول نوح عليهالسلام في الذين قالوا : (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) [الشعراء : ١١١ ـ ١١٣] أي : إنما حسابهم على الله عزوجل ، وليس عليّ من حسابهم من شيء ، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء.
قال العلامة أبو السعود : الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه ، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوّغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم ، كدأب قوم نوح حيث قالوا. (ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ) أي : ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة ، حتى تتصدى له ، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام ، وإنما وظيفتك ، حسبما هو شأن منصب النبوة ، اعتبار ظواهر الأعمال ، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور ، كقوله تعالى : (إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي) وذكر قوله تعالى : (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) مع أن الجواب قد تم بما قبله ، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلىاللهعليهوسلم ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا ، وهو انتفاء كون حسابه عليهالسلام ، عليهم ، على طريقة قوله تعالى : (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
