يزعمون أنها شفعاؤهم ، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين ، لأن شفاعة الرسل يومئذ إنما تكون بإذنه تعالى ، فكأنها منه تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)(٥٢)
روى الإمام مسلم (١) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ستة نفر ، فقال له المشركون : اطرد هؤلاء يجترءون علينا! قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما ، فوقع في نفس رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما شاء الله أن يقع ، فحدّث نفسه ، فأنزل الله تعالى : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ) .. الآية.
وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما.
وروى الإمام أحمد (٢) عن ابن مسعود قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وعنده خبّاب وصهيب وبلال وعمار ، فقالوا يا محمد! أرضيت بهؤلاء؟ فنزل عليه القرآن : (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ) إلى قوله (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).
ورواه ابن جرير (٣) عن ابن مسعود أيضا قال : مرّ الملأ من قريش برسول الله صلىاللهعليهوسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخبّاب وغيرهم من ضعفاء المسلمين.
وفيه : فقالوا : يا محمد! أرضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم ، فلعلك إن طردتهم نتبعك! فنزلت هذه الآية : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) .. الآية.
ووراء ما ذكرنا ، روايات لا تصحّ ولا يوثق بها.
إذا علمت ذلك تبين أنه صلىاللهعليهوسلم لم يطردهم بالفعل ، وإنما همّ بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك ، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان ، فنهاه الله عن إمضاء ذلك الهمّ.
__________________
(١) أخرجه مسلم في : فضائل الصحابة ، حديث ٤٥ و ٤٦.
(٢) أخرجه في المسند ١ / ٤٢٠ والحديث رقم ٣٩٨٥.
(٣) الأثر رقم ١٣٢٥٥ من التفسير.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
