قال الناصر في (الانتصاف) : فأما إرادته لإثم أخيه وعقوبته فمعناه : إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولمّا لم يكن بدّ من إرادة أحد الأمرين ، إمّا إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه ، وإمّا إثم أخيه بتقدير أن يستسلم ـ وكان غير مريد للأول ، اضطر إلى الثاني ، فلم يرد إذا إثم أخيه لعينه ، وإنما أراد أنّ الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل ـ ولم تكن حينئذ مشروعة ـ فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا ، كما يتمنّى الإنسان الشهادة. ومعناها أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم ، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه ، وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله رجاء إثم الكافر بقتله ضمنا وتبعا. والذي يدل على ذلك ؛ أنّه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان ، فيحبط عنه إثم القتل الذي به كان الشهيد شهيدا. أعني بقي الإثم على قاتله ، أو حبط عنه ، إذ ذلك لا ينتقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها ، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه ، فدلّ على أنه أمر لازم تبع ، لا مقصود. والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى :
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ)(٣٠)
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) أي : رخصت وسهلت له نفسه. والتصريح بأخوّته لكمال تقبيح ما سوّلته نفسه. أي : الذي حقه أن يحفظه من كل من قصده بالسوء بالتحمل على نفسه (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) دينا ، إذ صار كافرا حاملا للدماء إلى يوم القيامة. ودنيا ، إذ صار مطرودا مبغضا للخلائق.
وقد أخرجه الجماعة ـ غير أبي داود ـ عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١) : «لا تقتل نفس ظلما إلّا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها. لأنه كان أول من سنّ القتل». انتهى.
ولما قتله لم يدر ما يصنع به من إفراط حيرته.
__________________
(١) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، ١ ـ باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ، حديث ١٥٧٥.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
