قال العلامة البقاعيّ : ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين ولدوا في التيه. وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها ، وافتتحت بها ، وصرح بأخذها عليهم في قوله : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ..) [المائدة : ١٢] الآيات ، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلىاللهعليهوسلم فيما يفعلونه معه ، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق ، وترغيب لمن أطاع منهم ، وترهيب لمن عصى. ومات في تلك الأربعين ، كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة. وكان الغمام يظلّهم من حرّ الشمس. ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء عليهم. وغير هذا من النعم ، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم. لا غضب. إذ أنهم تابوا. ثم ساق البقاعيّ ـ رحمهالله ـ شرح هذه القصة من التوراة التي بين أيديهم بالحرف. ونحن نأتي على ملخصها تأثرا له ، فنقول :
جاء في سفر (العدد) في الفصل الثالث عشر : إن شعب بني إسرائيل لمّا ارتحلوا من حصيروت ونزلوا ببرّية فاران ، كلم الرب موسى بأن يبعث رجالا يجسّون أرض كنعان. من كل سبط رجلا واحدا ، وكلهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل ، فأرسلهم موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض. أجيدة أم رديئة؟ وإلى أهلها ، أشديدون أم ضعفاء؟ قليلون أم كثيرون؟ وأن يوافوه بشيء من ثمرها. فساروا واجتسّوا الأرض من برية صين إلى رحوب عند مدخل حماة ، ثم رجعوا بعد أربعين يوما. وكان موسى وقومه في برية فاران في قادش ، فأروهم ثمر الأرض ، وقصّوا عليهم ما شاهدوه من جودة الأرض ، وأنها تدرّ لبنا وعسلا. ومن شدة أهلها وقوتهم وتحصن مدنهم ؛ فاضطرب قوم موسى. فأخذ كالب ـ أحد النقباء ـ يسكتهم عن موسى ويقول : نصعد ونرث الأرض فإنا قادرون عليها. وخالفه بقية النقباء وقالوا : لا نقدر أن نصعد إليهم لأنهم أشدّ منّا. وهوّلوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا : شاهدنا أناسا طوال القامات ، سيما بني عناق. فصرنا في عيوننا كالجراد. وكذلك كنا في عيونهم. فعند ذلك ضجّ قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا وقالوا : ليتنا متنا في أرض مصر أو في هذه البرية ، ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة. وخير لنا أن نرجع إلى مصر. وقالوا : لنقم لنا رئيسا ونرجع إلى مصر. فلما شاهد موسى ذلك منهم وقع هو وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليين. ومزّق ، من النقباء ، يوشع بن نون وكالب ، ثيابهما. وكلّما بني إسرائيل قائلين : إن الأرض التي مررنا فيها جيدة ، وإذا كان ربنا راضيا عنا فإنه يدخلنا إياها. فلا تتمردوا ولا تخافوا أهلها فسيكونون طعمة لنا. إذ الرب معنا فلما سمع بنو إسرائيل كلام يوشع وكالب قالوا : ليرجما بالحجارة ، وكاد
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
