(٢٣) (يونس) ، ووعد من بغى عليه بالنصر فقال : (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ) (٦٠) (الحج) ، فكان على من بغى عليه أن يشكره تعالى ويقابل ذلك بالعفو عمن بغى عليه ، كقوله : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٤٣) (الشورى) ، والله تعالى : (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) (٩٠) (النحل) ، والعدل هو الإنصاف ، والإحسان هو التفضّل ، وفى نفس الآية أمر تعالى بالنهى عن البغى ، فجعل حدّ الإجزاء فى البغى ضمن العدل ، وجعل التكميل الزائد على الإجزاء ضمن الإحسان. والبغى مع ذلك منه ما يحمد ، ومنه ما يذمّ ، والبغى المحمود : ما جاوز العدل إلى الإحسان ، والبغى المذموم : ما جاوز العدل إلى الجور ، وما جاوز الحق إلى الباطل. غير أن أكثر ما يطلق البغى على المذموم ، كقوله تعالى : (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) (٧٦) (القصص) ، وقوله : (قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) (٢٢) (ص) ، وقوله : (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) (٩) (الحجرات) ، وإذا أطلق البغى وأريد به المحمود يزاد فيه غالبا التاء ، كقوله تعالى : (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) (١٧) (العنكبوت).
* * *
١٥٠٣ ـ الكبر ليس من شيم المسلم
الكبر والتكبّر والاستكبار متقاربة المعنى ؛ فالكبر الحالة التى يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ؛ والمتكبّر هو الذى يتصرّف باستكبار ؛ والتكبّر على وجهين ، أحدهما : أن تكون الأفعال حسنة زائدة على محاسن الغير ، ولذلك وصف الله تعالى نفسه بالمتكبّر فقال : (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (٢٣) (الحشر) ، لأنه تكبّر بربوبيته فلا شىء مثله ، وهو المتكبّر عن كل سوء ، والمتعظّم عمّا لا يليق من صفات الحدث والذم. وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد. والكبرياء فى الإنسان صفة ذم ، وفى الله صفة مدح ؛ والوجه الثانى : أن يكون المتكبّر متكلفا لذلك ، كقوله تعالى : (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (٣٥) (غافر) ، والمستكبر مثله ، والمستكبرون فى كل أمة هم المترفون أصحاب الجاه والسلطان يعتون ويستضعفون الناس ؛ والمستضعفون هم المقابل للمستكبرين ، كقوله تعالى : (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) (٧٥) (الأعراف) ، وقوله : (فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) (٢٢) (إبراهيم). وقيل : إن الكبر إن ظهر على الجوارح فهو التكبّر ، وإلا قيل : فى نفسه كبر ، والكبر فى النفس هو أصل الكبر ، وهو الاسترواح إلى رؤية النفس. والكبر يستدعى مستكبرا عليه يرى نفسه فوقه ، ومتكبّرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب ، فمن يظن أنه ليس فى الدنيا سواه يعجب بنفسه ولا يكون متكبّرا. والكبر يبدأ بالعجب. ولذلك لم يكن الكبر من شيم المسلم. والمستكبرون لهم علامات ، كقوله : (لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
