والصوفية يجعلون لباس تقواهم الصوف الخشن من الثياب ، يتواضعون به لله ، ويتعبدون به خيرا من غيره ، ولباس تقواهم خشية الله. وفى الآية : (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٧) (الأعراف) أن اللباس هو لباس التقوى ، ومن لا يتقى الله فهو الكاسى العارى ، والعرى البدنى مظهر للعرى الخلقى ، والشيطان وقبيله يرى غير المؤمن عاريا ، لأنه ينفذ إلى أعماقه : (يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (٥) (الناس) ، وفى الحديث : «وللشيطان لمّة» (أى بالقلب) ، : «وأما لمّة الشيطان فإبعاد بالشرّ وتكذيب بالحق». والمؤمن بعكس الشيطان ، فهو لباس لأخيه المؤمن ، كقوله تعالى عن الأزواج والزوجات : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) (البقرة ١٨٧) ، فسمّى الله تعالى امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا ، لانضمام جسديهما ، وامتزاج نفسيهما ، وتلازم عقليهما وحاجاتهما ، تشبيها بالثوب يلاصق البدن ، وكل ما يستر فهو لباس ، والزوجات والأزواج ستر لبعضهما البعض عما لا يحلّ ، ويقال للمرأة : هى لباسك وإزارك. وفى الآية : (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) (النحل) سمّى الجوع والخوف لباسا ، لأن من يصاب بهما يظهر عليه من الهزال والشحوب وسوء الحال ما هو كاللباس ، ومن ذلك قوله : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) (١٠) (النبأ) ، واللباس ما يكون به الستر وسكينة النفس ، والليل بظلمته ستّار. واللبوس فى الآية : (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) (الأنبياء ٨٠) هو كل ما يلبس ، فالثياب لبوس ، والدروع لبوس كذلك. وفى الآية : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) (النحل ١٤) : أن الحلىّ المستخرجة من البحر ـ كاللؤلؤ والمرجان والأصداف هى ألبسة للزينة. واللباس من حلىّ وثياب ، كقوله : (مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) (٣٣) (فاطر) ، وقوله : (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) (الكهف ٣١) ، ونعلم أن اللون المفضل فى الثياب فى الجنة هو الأخضر ، وأن خير الألبسة ما كان من الحرير السّندسى ـ أى الرقيق ، والإستبرق هو الديباج ، وخصّ الله تعالى اللون الأخضر لأنه اللون الموافق للبصر ، لأن البياض يبدّد النظر ويؤلم العين ، والسواد مذموم ، والخضرة على عكس البياض والسواد ، تجمع الشعاع ولا تبدده ، فتظهر الصورة وتزهو. ولما سألوا الرسول صلىاللهعليهوسلم عن ثياب الجنة : أهي تخلق أم تنسج؟ قال : «لا ، بل تشقّق عنها ثمر الجنة». ومن أجل ذلك حرّم الحرير والذهب فى الدنيا على الرجال ليكونا لباسهما فى الجنة ، وتحرّم الصلاة بهما ، ويحرّم الافتراش على الحرير والديباج ، وأجاز النبىّ صلىاللهعليهوسلم لعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير على
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
