وللمجرمين سمات هى تعلّق «علم النفس الإجرامى» ، والقرآن سابق فى تحديد الصفات النفسية للمجرم قبل أن ينبّه إليها أمثال توبينارد ، وسيزار بيكاريا ، وچيريمى بنتام فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، ولعل أكبر العلماء فى هذا الميدان سيزار لمبروزو (المتوفى سنة ١٩٠٩) ، زعيم المدرسة الوصفية ، وما يذكره القرآن عن سمات المجرمين ضمن المدرسة الوصفية ، وكنموذج للمجرمين كما يعدّدهم القرآن : فرعون موسى : وكان جبّارا عصيا ، متضخم الذات ، ومتمركز التفكير فى نفسه ؛ وهامان : وكان من الإمّعات ، يوظّف علمه للأقوى ، ويقيم الصروح وفق طلب المستبدّين ؛ وقارون : وكان من ملوك المال ، ويظن بنفسه الألوهية. والمجرمون الذين يحفل القرآن بتوصيفهم كثيرون ، ومنهم الكفرة ، والمكذبين ، والمعاندين ، والمتآمرين ، ولصوص المال ، والمصابون بالشذوذ النفسى الجنسى كاللواط ، والزنا ، والنمامون والغمّازون ... إلخ ، ولكل هؤلاء صفات بدنية ونفسية واجتماعية إجرامية. والملائكة ، كما يرد عنهم من أهل الفراسة المتضلّعين فى علم السيما ، وفى ذلك يأتى فى القرآن : (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) (٤١) (الرحمن) ، ومثل الملائكة : أصحاب الأعراف ، يقول فيهم ربّهم : (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) (٤٨) (الأعراف) ، فهؤلاء الذين على الأعراف يطالعون سيما الناس ويتعاملون معهم بحسبها. وكما أن السيما فى الدين والجريمة ، فهى فى غير ذلك من النواحى الاجتماعية ، وفى مجال علم الاجتماع الاقتصادى مثلا تأتى هذه الآية : (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) (٢٧٣) (البقرة) ، وهؤلاء هم الفقراء ، أو صنف منهم ، يستحون أن يسألوا الناس ، ومن السهل اكتشافهم مع ذلك بالنظر إلى رقّة مظهرهم ، ونظرة الذلّ فى عيونهم ، واستطالة وجوههم ، وصفرتها ، وارتعاش أصواتهم ، وتلعثمهم الكثير خشية الناس.
* * *
١٤٣٧ ـ الصراع بين الأفراد كما هو بين المجتمعات
دليل ذلك الآية : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) (١١١) (النحل) أى تخاصم وتحاجّ عن نفسها ، وكل واحد فى يوم البعث لا يقول إلا نفسى! نفسى! وكل أمة تشهد لنفسها ، وتتصارع الأمم من شدّة هول القيامة ، وما تزال الخصومة بالناس حتى أن الروح لتخاصم الجسد ، فالروح تلقى المسئولية على الجسد ، والجسد يلقى المسئولية على الروح ، والصحيح أنهما مسئولان معا ، كأعمى ومقعد فى بستان ، يطلبان ثمرا على شجرة ، فالمقعد يستعين بالأعمى ليحمله ، فيقطف المقعد ويأكل ويعطى الأعمى ، فأيهما مسئول؟
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
