فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) (المنافقون) ، فوصفهم بجمال الصورة والسمت والهيئة ، وحسن الإبانة ، إلا أنهم أجساد بلا أرواح ولا أحلام ، يعيشون فى قلق وشك وريبة ، ويظنون أنهم انكشفوا ، وتعرّت أسرارهم ، وافتضح نفاقهم ، وأن الناس يتناجون فيهم ويتآمرون عليهم ، ولذلك كانت خطورتهم ، فقد يلجئون إلى وسائل أعنف ، فاحذروهم لأنهم العدو. والآية نزلت فى عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين ، وفى وجدّ بن قيس ، ومصعب بن قشير ، فلما قالت لهم عشائرهم توبوا ، لووا رءوسهم استهزاء وإباء ، فوصفتهم الآية التالية وصفا أدق فقالت : (وَإِذا) (قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٥) (المنافقون) ، وقال عبد الله بن أبىّ لمّا لوى رأسه : أمرتمونى أن أو من فقد آمنت ، وأن أعطى زكاة فقد أعطيت ، فما بقى إلا أن أسجد لمحمد! ولعمرى إنه لسيد المنافقين عن حق!
* * *
١٤٢٩ ـ علامات النفاق
علامات النفاق كما ينبّه إليها القرآن ، تدلّ عليها الآيات : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (١٠) (البقرة) ، فالتمويه على الناس من أولى العلامات : وهو أن يضمروا خلاف ما يظهرون ، وأن يسلكوا كمؤمنين خلاف ما يبطنون ككافرين ، يريدون أن يحفظوا أنفسهم من أن ينزل بهم عقاب ، وليحقنوا دماءهم ، ويصونوا أموالهم. والإيمان من أعمال الله ، والتمويه بالإيمان فيه مخادعة لله ، وأصل الخداع الإفساد ، وهم يفسدون اعتبارهم عند الله والناس بالرياء ، وما تحل عاقبة الخداع إلا بهم ، وفى المأثورات : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وخداع الله هو أن يعملوا ما يأمر به ويطلبوا به غيره ، ولا تنطلى حيلتهم عليه تعالى ، ويصدقون بها أنفسهم ولا يفطنون لغفلتهم وغبائهم وجهلهم ، ولا يفكرون فى وبال خداعهم. والنفاق بهم مرض فى القلوب ، يخلف فسادا فى العقيدة ، وشكا وجحدا وتكذيبا ، فكان أن زادهم الله مرضا على مرضهم ، كقوله : (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) (١٢٥) (التوبة). وعلل القلوب من اتباع الهوى ، والنفاق هوى.
* * *
١٤٣٠ ـ من سمات المنافق
النفاق : إظهار خلاف الباطن ، والمنافقون لهم سماتهم ، يقول تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) (١١) (الحج) ، فالمنافق لا إيمان له ولا دين ولا معتقد ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
