إثبات وجود الله». وفى القرآن أنه تعالى الفاطر ، والفاطر من أسمائه الحسنى ، فطر الناس وكل شىء ، والسموات والأرض ، وفى القرآن سورة «باسم فاطر» هى السورة الخامسة والثلاثون. وكان الفيلسوف توماس ريد مؤسس مدرسة الفطرة الاسكتلندية (توفى ١٧٩٦ م) ، وعرّفها وليام هاملتون (١٨٥٦ م) بأنها الفطرة النافذة ، وعلى ذلك يصبح أرسطو أول الفطريين ، لأنه القائل بأن الأفكار الفطرية هى الأفكار الناقدة الأكثر تسلطا ، وقال عنها برتراند رسل : إنها أساس الأفكار العلمية ، ونقطة الانطلاق التى يبدأ منها العلم. فهذه هى الفطرة فى الحكمة المغربية ، فلنتعرف إليها فى الحكمة المشرقية الإسلامية : ففي الحديث عن أبى هريرة : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، أبواه يهوّدانه ، أو ينصّرانه ، أو يمجّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (أى سليمة) ، هل تحسّون فيها من جدعاء؟» ، أو قال : «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» وقال : «واقرءا إن شئتم : (فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) (الروم ٣٠). ومعنى «تجدعونها» أن تفسدوا هذه الفطرة بتعليم ومعتقدات وأفكار خاطئة أو مضلة أو منحرفة ، ويسمى علماء الطب النفسى وعلم النفس ما يجرى من الإفساد للفطرة بأنه بمثابة البتر للشخصية amputation of personality ، أى الإفساد لها والانحراف بها. وفى القرآن أن الفطرة هى البداءة ، وهى الخلقة ، ويروى ابن عباس أنه لم يكن يعرف معنى «فاطر السموات والأرض» كما فى سورة الأنعام ، الآية ١٤ مثلا ، إلى أن اختصم إليه أعرابيان فى بئر ، يدّعى كلّ ملكيته ، فقال كل واحد : أنا الذى فطرته ـ يعنى بدأته ، فعرف ابن عباس معنى أن الله هو الفاطر ، أى أنه المبدئ ، ومن كان مبدئا فهو أيضا المعيد ، فذلك من براهين البعث. واحتجت فرقة من فرق الفلاسفة على القول : بأنه تعالى قد فطر الناس على الدين ، فلو كانوا كذلك فلم يجحدون وينكرون ويختلفون؟ ولم لم يكونوا جميعا على الإسلام؟ والجواب : أن الفطرة هى خميرة الاعتقاد ، والميل إليه ، فالإنسان مفطور بالتفكير فى خالق لهذا الكون ، وحتى وهو يجحد ، فإن الجحود نوع من التفكير فى خالق الكون. ومن قال إن الفطرة هى الخلقة ، قصد إلى أن الله خلق كل مولود وبه جهاز للاعتقاد يعرف به ربّه ، قال فرويد إنه الضمير ، أو الأنا الأعلى ، وقال كنط إنه الآمر الخلقى ، والمعنى فى القرآن أن الله قد ميّز البشر عن البهائم بإرادة للاعتقاد هى فطرة فطر عليها الإنسان دون البهائم : (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) (٢٢) (يس) ، يعنى الذى خلقنى. والفطرة استعداد للإيمان وليست الإيمان نفسه ، والأطفال يولدون ليس بهم كفر ولا إيمان ، كالبهائم تولد سليمة ، ثم يحدث لها «الجدع» من بعد ، يعنى يحدث الإفساد للفطرة السليمة. ومثل الفطرة مثل الأبجدية الجينية G.C.A.T فى الخلية البشرية ، فكل الخلايا فيها هذه الأبجدية ، ولكن
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
