ثانيا : علم النفس فى القرآن
* * *
١٤١٩ ـ التربية ودورها فى التنشئة
الآيات كثيرة فى التنبيه إلى دور التربية فى التنشئة ، فكل نبت يخرج منه شبيهه ، ولمّا عادت مريم تحمل ابنها عيسى قال لها أهلها : (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ) (٢٨) (مريم) يعنى كان المتوقع أنه تكون كأبويها ، وهى من بيت هارون ، أى من أرومة طيبة ، فكيف خالفت الموروث العائلى؟ والنعمة التى قصدها يعقوب فى دعائه ليوسف : (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) (٦) (يوسف) هى الصلاح الذى كان عليه آباؤه وتوارثه عنهم. واتّباع الآباء فى قوله تعالى : (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) (١٧٠) (البقرة) هو ما يسميه علماء النفس والطب النفسى «اللاشعور الجمعى» ، وهو الذى يشكّل السلوك ويطبع الإنسان بطابع أهله. والضلال والهدى يورثان : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) (٧٠) (الصافات) ، يعنى يفعلون فعلهم بدافع غريزى داخلى يدفعهم إلى تقليدهم ، ومعنى يهرعون يسرعون ، والإهراع هو الإسراع ، والمهرع هو المستحثّ. والسلوك الغريزى سلوك مستحثّ ، الأداء فيه طبعى سريع.
* * *
١٤٢٠ ـ عقوق الوالدين فى علم النفس التربوى الإسلامى
فى القرآن يقرن الله حقّ الوالدين على الأبناء بالتوحيد ، لأن النشأة الأولى من عند الله ، ثم تكون النشأة الثانية أو التنشئة أو التربية من جهة الوالدين ، فجعل الإحسان للوالدين ميثاقا ، مثلما جعل عبادته تعالى ميثاقا ، وربط بينهما ، وجعلهما ميثاقا واحدا ، فقال : (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (٨٣) (البقرة) ، وقرن الشّكر لهما بشكره تعالى ، فقال : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) (١٤) (لقمان) ، وجعل «عقوق الوالدين» من المحرّمات فقال : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (١٥١) (الأنعام) ، وجعل البرّ بالوالدين من الإيمان ، فجاء فى وصف تقوى النبىّ يحيى : (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) (١٤) (مريم) ، وفى وصف الرحمة عند النبىّ عيسى قال : (وَبَرًّا بِوالِدَتِي) (٣٢) (مريم) ، فالبرّ بالوالدين من التقوى ، ومن الرحمة. والتوصية بالوالدين فى قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) (٨) (العنكبوت) هى توصية بأحسن المعاملة ، وأخلص الطاعة ، وأوفى الخدمة ، فى حدود عدم مخالفة الله ، وعدم الشك به ، فإن جاهداه على الشرك ، واختلفا معه عليه ، فلا يطعهما ولو بلغ خلافهما حدّ المنازعة. والفرق بين معاملة الوالدين بالإحسان
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
