وعلم منتج ، حيث العالم يخلص بما علم إلى نتائج لم يكن يبلغها لو لم يعلم. والعلم يجيب عن الكيف والكم ، ولكنه لا يجيب عن : لما ذا؟ إلا طبقة من العلماء العابدين ، عرفوا الله بالعلم ، ولم يتوقفوا عند مجرد الإحاطة بالكيف والكم ، وهؤلاء تقصدهم الآية : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (٢٨) (فاطر) ، فلأنهم عرفوا ، أقدروا الله حقّ قدره ، وخافوا قدرته ، ومن علم أن الكون له صاحب وهو خالقه ومبدعه ، وأنه عالم ولكن ليس كالعلماء ، فأهل العلم يختصون بالجزئيات ، والله عالم محيط بكل شىء ، فإنهم يجلّونه ويقدّسونه ، ومعنى خشيتهم له معرفتهم به ، ومن لم يعرف الله فليس بعالم ، وهى قضية تماثل قولنا : من لم يخش الله فليس بعالم : فالعالم هو من يعرف الله فيخشاه ، وكفى بخشية الله علما ، وبالاغترار جهلا. وأفقه العلماء هو أتقاهم لربّه ، ولا خير فى علم لا عبادة فيه ، ولا خير فى عبادة لا علم فيها ولا قراءة ولا تدبّر ، وفى الحديث : «إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضه ، والنون (أى الأسماك) فى البحار ، يصلّون على الذين يعلّمون الناس الخير» ، ولا بارك الله فى علم يتعلم علماؤه لغير العبادة ، ويطلبون به الدنيا. وأن يستعمروا ويستولوا ، ويضطهدوا ، ويستعلوا فى الأرض. وليحذر علماء المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء ، ولا تزال أمة الإسلام بخير طالما كان علماؤها يخشون الله ، ومن خشى الله زاده علما ، والعلم لا يكون اكتسابا فقط ولكنه لمن يفتح الله عليه به ، والذى يفتح الله به ليس هو العلم العقيم. وأفضل العلماء الذى يعلّم ، ويعمل بما يعلّم ، ويعلّم ما يعلم ، والعلماء أصناف كما فى الحديث : «مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقية قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير ؛ وكانت منها أحادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ؛ وأصابت منها طائفة أخرى ، إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به» ، فكما أن الغيث يحيى البلد فكذا العلم يستنهض العقول الراكدة ، ويحيى القلوب الميتة. والآخذون بالعلم المقبلون عليه ـ كما قلنا ـ كالأرض المختلفة فى تلقّيها للماء ، فمنهم العالم العامل المعلّم ، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت فى نفسها ، وأنبتت ونفعت غيرها ، وهذا الذى يخشى الله ويعلم ، ويعمل ، ويعلّم ، يقصد بذل نوال رضاه. ومنهم الجامع للعلم الذى لا يعمل به ، ولا يخلص له ، ولا يخدّم به الله ، ولم ينفع به نفسه ولكنه يؤدّيه للناس كما علمه ، ويعلّمه غيره ، فهو بمنزلة الأرض التى يستقر فيها الماء فينتفع الناس به. ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو كالأرض المستوية الملساء التى لا تقبل الماء وقد تفسده على غيرها.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
