(٦٠) (قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) (٦٣) (ص) ، والمشادة بين أهل النار ، من الداخلين الجدد تنبئ عمّا يكون بين الجميع فى النار من منازعات ، ومهاترات وصراخ ، وسباب ، وتماسك ، وفى هذا المشهد فى الآية ، فإن القادمين إليها كانوا من قبل أسيادا فى الدنيا ، والمستقبلون لهم هم الأتباع والأشياع. وقدوم هؤلاء أو هؤلاء يكون أفواجا ، ولا يكون قدوما فى سلام ، ولكنه «اقتحام» يناسب أنهم «طاغون» ، سواء كانوا أسيادا أو أشياعا ، ويدعو الأسياد على الأشياع : لا مرحبا بكم ، فالنار مثواكم ، ولكن الأتباع بهم سلاطة لسان ، ويردّون على السباب بمثله ، يقولون : بل أنتم لا مرحبا بكم. أنتم السبب فى كل ذلك ، وأنتم الذين دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ، وبئس النار منزلا ومستقرا لنا ولكم! ويستمر الأتباع فى الدعاء عليهم ، أن يزيدهم الله عذابا ضعفا فى النار بما أذنبوا ، وبما غرروا بهم ، كقوله تعالى : (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف ٣٨). ويفتقد هؤلاء وهؤلاء رجالا كانوا فى الدنيا يسخرون منهم ، وظنوا أنهم أشرار ، واعتقدوا أنهم على الضلالة ـ يقصدون المؤمنين ـ أم أن أبصارهم زاغت عنهم فلم تبصرهم معهم ، وعندئذ يأتيهم العلم أن هؤلاء فى الجنة ، فيتنادون ، أصحاب الجنة من فرحتهم ينادون أولا على أصحاب النار ، ويردّ الأسياد كقوله : (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (٤٤) (الأعراف) ، وأصحاب النار من الأتباع يلعنون الأسياد الذين كانوا السبب فى ضلالهم. وتستمر هذه الدراما والحوار بين هؤلاء وهؤلاء ، فيهما التنازع والشجار والسباب والصراخ ، وهذا إذن هو تخاصم أهل النار بعضهم مع بعض ، ولعن بعضهم لبعض ، وهو حقّ لا مرية فيه.
* * *
١٣٣٦ ـ الكبر اسم من أسماء النار
قيل فى قوله تعالى (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) (٣٥) (المدثر) أنه وصف للنار ، والكبر هى الدواهى والفظائع من العقوبات ، واحدتها كبرى مثل صغرى وصغر ، وعظمى وعظم. وقيل لذلك : الكبر اسم من أسماء النار ، وهذا هو التفسير الصحيح ، لأنه يأتى بعدها قوله (نَذِيراً لِلْبَشَرِ) (٣٦) (المدثر) ، فلا شىء يوصف بأنه نذير للبشر سوى النار ، وما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها وأفظع!
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
