يعرف أصول الشريعة بكاملها ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويملك القدرة التامة على استنباط هذه الأحكام وردّها إلى أصولها ، وهى : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، ويميّز بين آيات الأحكام وغيرها ، وبين الصحيح والضعيف فى الأحاديث ، وبين ما أجمع عليه وما اختلف فيه ، وبين القواعد المقررة بحكم العقل والعقلاء ، ومعنى المفردات ومصادرها. وعلى ذلك فالمجتهد كاشف للشريعة ، بينما المقلّد جاهل بالمصادر وأدلتها من الأساس ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويعجز عن التفصيل والاستنباط. ولا يجوز الاجتهاد فى مقابل نصّ قطعى الثبوت والدلالة ، ولا يكون الاجتهاد إلا فى مورد لا إجماع ولا نصّ فيه من كتاب أو سنّة ، ولا يكون بالرأى أو القياس والاستحسان الظنيين ، فأحكام الله لا تناط بالظنون ، وإذا لم يكن هناك نصّ وكان لا بدّ من الاجتهاد ، اعتمد المكلّف فى ثبوت الحكم على مبادئ العقل الصحيحة ، ومنها : الأهمّ مقدّم على المهم عند التزاحم ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، واختيار أهون الشرّين إذا لم يكن من أحدهما مناص ، والضرورات تبيح المحظورات ، والضرورة تقدّر بقدرها ، وقبح العقاب بلا بيان ، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، والعلم بوجود التكليف يستدعى العلم بطاعته وامتثاله ، وأصل المشروط عدم شرطه ، والإذن بالشىء إذن بلوازمه ، والأصل براءة كل إنسان حتى تثبت إدانته ، وإذا وجدت العلة وجد معلولها ، إلى آخر ما هنالك من مبادئ يقطع العقل بصحتها ويستكشف بها الحكم الشرعى. وهذا النوع من الاجتهاد مطلوب ، فالإسلام يقدّس العقل وينعى على أهل التقليد ، ويطالب كل إنسان أن يحتكم إليه ليتيقن به أنه تعالى موجود ، وأن له مطلق القدرة والعلم ، وأن النبوة ضرورة ، والأولى إذن أن يعتمد عليه ـ أى العقل ـ لإثبات أحكام دينه وشريعته. والاجتهاد فى النصّ يكون باعتبار فهمه بشرط أن يكون النصّ ظنى الدلالة ، كقوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة ٢٢٨) ، فالدلالة هنا على القرء ظنية ، لأن القرء ينطبق على الحيضة والطهر ، والاجتهاد واجب فى ذلك وإن خالف المجتهد رأى السلف ، غير أن أهل الفقه أقفلوا باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجرى ، ولم يسمحوا برأى إلا رأى الأئمة ، وقالوا فى أى رأى يخالف آراءهم أنه إما مؤول أو منسوخ ، وبعض المجتهدين قد يصلح للاجتهاد مطلقا ولديه الكفاءة لاستنباط جميع الأحكام ، ويسمونه «المجتهد المطلق» ، وبعضهم لا يصلح إلا للاستنباط فى بعض الفروع دون بعض ، وهذا هو «المجتهد المجتزئ». ولله تعالى فى كل ما وقع من أحداث أحكام معينة نصب الدليل عليها بالخصوص أو بالعموم ، والمجتهد الذى يعلم ذلك ويطبّقه ويستهديه هو «المجتهد المصيب» ، وله أجران : أجر على جهده ، وأجر
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
