فى الحديث ، أى القتل الذى يعمى أمره ويلتبس فلا يعرف القاتل ، وفيه الدّية المغلّظة. والدية تلزم الجانى فى ماله فى القتل العمد ، وشبه العمد ، وفى قتل العمية تلزم الجماعة التى تسبب أفرادها فى قتل القتيل. والقاتل عمدا عليه الكفّارة إذا عفا أهل القتيل عنه فلم يقتل بمن قتل ، كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) (١٧٨) (البقرة) ، فأما إذا اقتصّ منه بالقتل فلا كفارة عليه ، لأن الكفّارات لا تجب إلا حيث أوجبها الله ، وفى القتل العمد وشبه العمد لم يوجب الكفارة. وفى توبة قاتل العمد ـ قال البعض ـ إنه لا توبة له ، والصحيح أن له التوبة لأنه تعالى يقول : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (٤٨) (النساء) ، ويقول : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) (١١٤) (هود) ، ويقول : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) (٢٥) (الشورى) ، وحلّ هذا الإشكال يكون بالجمع بين المعنيين : فجزاء القتل العمد كذا ، إلا من تاب فهو فى المشيئة ، إن شاء عاقبة الله تعالى ، وإن شاء عفا عنه.
* * *
٢٣٨٠ ـ الجنون والمسئولية
الجنون : زوال العقل ؛ والمجنون هو فاسد العقل ، والجمع مجانين ؛ والجنون المطبق هو التام ، ومعنى ذلك أن هناك جنونا غير تام ، كأن يكون فساد العقل فى مجال دون بقية المجالات ، كما فى البارانويا وهى جنون الاضطهاد أو العظمة. والرسول صلىاللهعليهوسلم اتهموه بالجنون ، فقد اعتبروا الإغماءة التى كانت تأتيه عند ما يوحى إليه نوعا من الصرع ، وقالوا فى الوحى إنه من الهلاوس ، وما يزال اليهود والنصارى يزعمون ذلك حتى اليوم ، كقوله تعالى : (وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، والحق أن هذا الزعم لم يقتصر على نبيّنا بل تعدّاه إلى كل الرسل ، كقوله تعالى : (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٥٢) (الذاريات). وما كانوا مجانين ، ولا كهنة ، ولا سحرة ، وإنما كانوا أنبياء من لدن عليم حكيم ، قال تعالى : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢) (التكوير) ، وكيف يكونون مجانين وهم مشرّعون ، وحكماء ، وأطباء نفوس وأبدان ، ومبشّرون ، ومنذرون؟! والمجنون إن أسلم أو تنصّر أو تهوّد لا يصحّ منه أىّ من ذلك ، وفى القرآن من حالات المجنون : (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) (٢٧٥) (البقرة) ، والمسّ أو الخباط حالة من حالات الجواز ، ولم يكن النبىّ صلىاللهعليهوسلم به شىء من أعراضه. والمجنون لا يؤاخذ بالردّة ، ولا يجب عليه الصيام ، ولا الصلاة ، ولا الزكاة ، لأنها جميعا لا تجب إلا على العاقل ، وليس له أن يتزوج ولا أن يزوّجه الناس ، ولا يصحّ منه طلاق ، ولا حق لمجنونة فى طلب الخلع ، ولا فى حضانة طفلها ، ويحجر على المجنون ، ولا تصح وصيته ، وعمده خطأ ، ويكفّر من ماله إذا جنى بقتل إنسان ، ولا تقبل شهادته.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
