كما ذكرنا. والقصاص البسيط قد يقوم به صاحبه ، فمن ظلمك يجوز لك أن تأخذ حقّك منه بقدر مظلمتك ، ومن شتمك يجوز لك أن تردّ عليه مثل قوله ، بشرط أن لا تتعدى إلى الأبوين أو الأسرة والأقارب ، وليس للمسلم أن يكذب على الناس وإن كذبوا عليه ، والمعصية لا تقابل بالمعصية ، فلو قال لك أحدهم : يا كافر ، جاز لك أن تقول له أنت الكافر ؛ وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول له : يا كذّاب. ولو قلت له يا زان ، كنت كاذبا وأثمت فى الكذب. وإن ماطلك دون عذر فى دفع ما عليه وهو غنىّ ، فيجوز أن تقول له : يا ظالم! يا آكل أموال الناس ؛ وفى الحديث : «لىّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» واللىّ هو المطل ، والواجد الغنيّ ، والعرض ما تعلق بشرفه وليس بشرف أبويه ولا أهل بيته ، والمعنى أن الغنى المدين الذى يتهرّب من الدفع تحلّ إهانته ، وإنزال العقاب به ، وعقوبة هذا الغنى المماطل فى الدفع هى السجن ، وعلى صاحب الدين أن يشكوه إلى الجهات المختصة فتأتيه بحقه ، فعند ما توجد حكومة وقانون لا يحل لأحد أن يقتص من أحد ، والخطاب فى الآيتين لجماعة المسلمين كما ذكرنا ، أى للحكومة أو النظام الحاكم.
* * *
٢٣٦٢ ـ جزاء العقوبة عقوبة مثلها
فى قوله تعالى : (وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ) (٦٠) (الحج) أن الظالم يجازى بمثل ما ظلم ، فسمى جزاء العقوبة عقوبة ، لاستواء الفعلين فى الصورة ، كقوله تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (٤٠) (الشورى) ، وقوله : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة).
* * *
٢٣٦٣ ـ من يعمل سوءا يجز به
هو مبدأ إسلامى عام ، فالكل سواء أمام المساءلة والجزاء : البرّ والفاجر ، والعدو والولى ، والمؤمن والكافر. وفى الآية : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) (١٢٣) (النساء) ، والسوء هو الجرم أيا كان ، والجزاء عليه قد يكون لمرة واحدة وقد يتعدد ، وقد يقتصر جزاء التّقى فى الدنيا ، وأما العصىّ فقد يتعدّد جزاؤه فى الدنيا والآخرة ويجتمع عليه الجزاء فى الموطنين. ولما نزلت هذه الآية أثار هذا النصّ جدلا عنيفا وانتاب الناس الخوف ، فقال أبو بكر : كل شىء عملناه جزينا به؟ وردّ عليه النبىّ صلىاللهعليهوسلم يفسّر الآية : «ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء (يعنى الشدّة) ، فذلك مما تجزون به. أما انت يا أبا بكر والمؤمنون ، فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» ، وقال : «قاربوا وسدّدوا ، ففي كل ما يصاب به المسلم كفّارة ، حتى النكبة ينكبها ، والشوكة يشاكها».
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
