ما حول الكعبة من الحرم ؛ وقيل : هو مكة كلها. ومعنى : قيام البيت ، أنه أقيم ليخشع الناس لرؤيته ، وتعظم فى نفوسهم وقلوبهم هيبته ، فيكون لهم أمنا وأمانا ، ولأنه يقوم بحياتهم ومماتهم ، ويلجئون إليه فيعصمهم ربّه ، كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (٦٧) (العنكبوت) ، يقارن بين الأمن فى الحرم والأمن خارجه ، ويقول : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) ، والمثابة هى رجوع الناس إلى زيارة البيت المرة تلو الأخرى ، ويعرفون أنهم به آمنوا ، وأنه مكان صلواتهم ؛ وقوله : (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) (البقرة) ، لأنهما استنّا تطهيره ، يعنى أن يمتنع فيه الرجس والرفث ، وظل قائما مطهّرا إلى أن أدخلت الأصنام فيه حتى زحمته ، وقبل ذلك ناسبت طهارته منذ عهد إبراهيم وإسماعيل ، الطائفين الأغراب ، والعاكفين المقيمين ، والمصلّين من الركّع السجود ، وصار التقليد بعد إبراهيم أن يطهّر البيت من حين لآخر ، وفعل ذلك النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وكان من بناة البيت مثل إبراهيم وإسماعيل. والقول بأن الملائكة هى التى بنت البيت ، أو الذى بناه هو آدم أو شيث ، هو قول غريب لا يعتدّ به ، وروّج له أهل الكتاب فيما يسمى بالإسرائيليات. وفى عهد إبراهيم وإسماعيل صار البيت مثابة للناس وأمنا ، وهذه ميزة للبيت الحرام على بيت المقدس ، فكل من استعاذ بالبيت الحرام وتعوّذ به ، أى التجأ إليه واعتصم ، أعاذه الله ، فهو آمن ، وأهله ـ أى سكان مكة ، آمنون به ومرزوقون ، وهو معنى دعاء إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (١٢٦) (البقرة). وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا قواعد البيت ، أى أظهراه وأطالا جدرانه ، كقوله : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٢٧) (البقرة) ، والقواعد هى الأساس ، وبناؤهما للبيت من الأساس من أعمالهما الصالحة ، وسألا الله أن يتقبّله منهما ، وكان قبلهما لا يوجد بيت ، بل مجرد ربوة (تلة) حمراء مدرة (طينية) ، بواد غير ذى زرع. ولمّا حدّدته قريش بعد إبراهيم اقتصرت على قواعد إبراهيم ، ولو لا أن قريشا كانت حديثة العهد بالإسلام ـ وربما ترفض الإنفاق على تجديد البيت ـ لأعاد الرسول صلىاللهعليهوسلم بناءه ، ولردّه إلى قواعد إبراهيم وأدخل به الحجر. وكان صلىاللهعليهوسلم فى الخامسة والثلاثين عند ما جدّدت قريش البيت أول مرة قبل الإسلام ، وتجزّأت العمل فى البناء قبائل : عبد مناف ، وزهرة ، وبنو مخزوم ، وبنو جمح ، وسهم ، وبنو عبد الدار ؛ وبنو أسد ، وبنو عدىّ بن كعب. وبدأ عملية الهدم «الوليد بن المغيرة» ، وكان الناس يهابون أن يشتركوا معه لقداسة البيت ، فلما رأوا الوليد سليما بعد يوم من الهدم تابعوه عليه ، إلى أن انتهوا إلى أساس إبراهيم ، ثم شرعوا فى البناء إلى أن بلغوا موضع الركن ـ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
