هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (٣٢) (طه) ، فلولا أنه تعالى يعينه فلن يستطيع تبليغ الرسالة ، وإنها لعمل شاق يحتاج إلى قوة معنوية هائلة ، وذلك معنى قوله : اشرح لى صدرى ، أى وسّعه ، وأن يؤتيه الاحتمال ، وييسر المهمة عليه ، ويحل هذه العجمة فى لسانه. وقال له ربّه : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) (٣٦) (طه) ، يعنى أنه أزالها جميعا ، وقيل ليست جميعها وإلا ما قال فيه فرعون : (وَلا يَكادُ يُبِينُ) (٥٢) (الزخرف) ، فلأنه لم يقل احلل كل لسانى ، فدلّ على أنه بقى فى لسانه شىء من الاستمساك ، أو أن فرعون قد وصفه بما عرفه عنه من طفولته ، وبما اشتكى منه موسى نفسه لربّه عند ما قال : (يَفْقَهُوا قَوْلِي) (٢٨) (طه) ، والفقه هو الفهم ، فلم يكن كلامه مفهوما ، وظل ذلك به وهو يخاطب الفرعون ، ولذلك عيّن له هارون وزيرا ، وفى حالتنا هذه فإن الوزير هو المترجم.
وفى التوراة قال موسى فى شرح عييائه : إنى لست أحسن الكلام. وشرح حالته فذكر أنها مستعصية ، فهى ليست من أمس أو قبل الأمس ، ولا بسبب خوفه منذ خاطبه ربّه وكلّفه ، ولكنه مفطور بها ، وقد خلقه ربّه بطيء النطق ، وثقيل اللسان. وطمأنه ربّه أنه سيكون مع فيه ويعلّمه ما يتكلم به ، ويكون هارون معه ـ وهو الفصيح اللسان ، ويخاطب الشعب عنه ويكون له بمثابة الفم.
وفى الطب النفسى : فإن الرتّة ليست عيبا فى النطق لاحتراق فى اللسان كما فى الأسطورة الشعبية عن موسى والجمرة والتمرة ، وإنما هى من عيوب النطق بسبب شحنات عدوانية عالية تزدحم على اللسان ، كالشحنات فى اللوازم والتى تجعل المصابين بها يأتون حركاتهم اللاإرادية تنفيسا عن هذه الشحنات. والتردد أو التلعثم فى النطق كما فى اللوازم ، تزدحم فيه على اللسان الرغبات فى التعبير ، فيحتبسها صاحبها ، ويتردد فى الإفصاح عن أىّ منها ، فتخرج كلماته فيها هذا التردد والصراع الداخلى. وموسى كان شديد العدوانية ، وبه قوة جثمانية مفرطة ، حتى أنه ارتكب جريمة قتل بمجرد أن لكز عدو قومه ، وكاد يرتكب جريمة أخرى مع العبرانى سبب المشكلة. ولمّا هرب من أرض جاسان سار على قدميه إلى مدين عبر الصحراء ، يعنى حوالى خمسة آلاف كيلو ، وكان خروجه بشعبه من مصر على أقدامهم مسيرة كبرى كمسيرة ماوتسى تونج فوق الجبال ، من شرق الصين إلى غربها ، هربا من قوات صن يات صن ، وكان ذلك تدريبا عسكريا عاليا لقواته ، كالتدريب الذى آل إلى الإسرائيليين بعبور الصحراء ، ثم السكنى فى سيناء حتى موت موسى ولم يدخلوا فلسطين. وهذا التدريب لا يصنعه ولا ينهض به إلا صاحب قوة وشكيمة ومراس ، وبهذه الطريقة وحدها يكون موسى قد تخلص من رتّته ، باستعادة ثقته
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
