إقرار بارتكابه ذنب القتل ، بمطاوعة من استغاثة من قومه ، كقوله تعالى : (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ١٥) ، فهذا الذى استغاثه من قومه مجرم بطبعه ، وله باع فى الإجرام ، ووصفه موسى فقال : (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (١٨) (القصص) ، لأنه بسببه قتل بالأمس رجلا ، وفى اليوم التالى دعاه ليقتل آخر ، و «الغوىّ» من أغوى أى يضلّ ، فلما عاتبه موسى ظن أنه سيقتله ، وكان موسى يتهيأ ليبطش بعدوهما ، ولكن هذا الغوىّ قال له أمام عدوه وقد أفشى سرّه : (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) (القصص ١٩) ، وهنا أقسم موسى أن لا يظاهر أمثاله من المجرمين ، أى لا يساندهم ويصاحبهم وينصرهم ، فالقاعدة الشرعية والأخلاقية أن لا نعين الظالمين ، وفى الحديث : «ينادى مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة ، حتى من لاق لهم دواة ، أو برى لهم قلّما ، فيجمعون فى تابوت من حديد ، فيرمى بهم فى جهنم». وعن النبىّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة ، يوم تزلّ فيه الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزلّ الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام» وفى الحديث : «من مشى مع ظالم فقد أجرم» ، ولا يكون المشى مع الظالم جرما إلا إذا مشى بقصد أن يعينه على ظلمه ، وموسى لم ينتصر لمن هو من شيعته لأنه عنصرى متعصب ، ولكنه ظن لأول وهلة أنه مظلوم ، فلما تبيّن له أنه ظالم انصرف عنه كقوله تعالى : (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة ٢) ، فاحذر يا أخى أن تظن بموسى السوء ، وتوصيف الحادثة هو : «ضرب أفضى إلى الموت» وليس قتلا عمدا.
* * *
٨١٧. موسى يشفق مما لا يشفق منه غيره
لم يكن موسى جبارا ، قيل لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسا بغير حق ، وموسى لم يقتل الآخر إلا خطأ فقد وكزه كقوله تعالى : (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ١٥) ، والوكز واللّكز واللهز واللهد بمعنى واحد ، واللكز يكون فى الوجه ، والوكز يكون على القلب ، وقيل : اللكز الضرب بجمع اليد فى الصدر مثل اللّكز ، وقيل : وكزه أى ضربه ودفعه لا يريد قتله فإن مات فليس من الوكزة نفسها ، وهو معنى فقضى عليه ، ولكنه لم يقتله عمدا مريدا للقتل ، وفى الحديث : «وإنما قتل موسى الذى قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عزوجل : (وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) (طه ٤٠) ، وتجربة أن يكون قاتلا ، وتطارده السلطة ، ويخشى على نفسه ، ويستشعر أنه ظلم من قتل ، كل ذلك كان فتنة له واختبارا ، وهذا هو مقصود الآية :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
