وحتى إذا كانت هذه الكلمات وغيرها من أصول غير عربية ، فما ذا يعيب أى لغة فى ذلك ، وكل لغات العالم بها المستورد والأصيل؟ أم أنهم يقصدون بذلك ، إلى أنه طالما أن هذه الكلمات غير العربية فى القرآن ، فالقرآن كاذب فى قوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) (يوسف) ، وقوله : (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٢٨) (الزمر) ، وقوله : (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا) (١٢) (الأحقاف)؟ ثم إنه كاذب إذ ينفى عنه العجمة فى قوله : (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا) (٤٤) (فصلت)؟! فذلك هو مرادهم وليس مجرد البحث العلمى ، ولو كانت هذه الكلمات وغيرها من أصول غير عربية ، فإنما استخدمها القرآن لأنها صارت عربية بالاستعمال ، وفى النظريات الحديثة فى اللغويات فإن أصالة الكلمة تقاس باستخداماتها ، والكلمة المستعملة أصل من الأصول اللغوية ، والقواميس فى اللغات الأوروبية توضع بحسب الشائع المستعمل يوميا من الكلمات ، شكلا ، ونطقا ، ومعنى. والعرب إن استخدموا هذه الكلمات فى كتاباتهم ومحادثاتهم ، فإنما لأنها رسخت فى وجدانهم وعقولهم ، وتجنّست بالجنسية العربية. وكلمات مثل سلسبيل ، وسنا ، وسيد بمعنى زوج ، وشطر ، وصلات ، وطوبى ، وغساق ، وفردوس ، وقوم ، وقراطيس ، وقسورة ، وقمل ، والقيوم ، وكنز ، ولينة ، ومتكأ ، وراعنا ، ودرست ، والتنور ، وحدب ، وجهنم ، والجبت ، وأوّاب ، وأسباط ، وأبّ ، وأرائك ، جميع ذلك كلمات عربية قحّ ولم تؤخذ من أى لغة كانت ، بخلاف ما ذكر السيوطى فى كتابه «المهذب فيما وقع فى القرآن من المعرب» ، وهذه الكلمات فى رأيه معرّبة ، وفى رأينا هى كلمات عربية لها مشتقاتها واستخداماتها ومعانيها ، وعلى عكس ما ذكر السيوطى ، فقد راجعناها عند أصحاب هذه اللغات التى زعم أنها أصولها ، فلم نجدها عندهم. ومن الكلمات التى زعم أنها قبطية وراجعتها على أساتذة هذه اللغة فى مصر : وراء ، وهيت لك ، ومناص ، واليمّ ، وقطّنا بمعنى كتابنا ، وطور ، وسنين ، والأولى والآخرة ، وأكواب ، فتبين كذب هذا الزعم ، كما تبين أن دفاع الدكتور عبد الرحمن بدوى المزعوم عن القرآن دفاع متهافت ، وكان الأحرى به أن يطالع هذه الألفاظ فى لغاتها المزعومة ، ويطالعها فى المعاجم والقواميس العربية ليعرف أنها عربية صميمة.
وكان الطبرى على القول بأنه لا وجود لألفاظ غير أعلام من غير كلام العرب فى القرآن. وأما أن توجد بعض ألفاظ غير الأعلام فى القرآن ، وفى العربية عموما ، وفى لغات أخرى غير العربية ، فإنما ذلك لأن اللغة العربية وغيرها من اللغات تستقى ربما من أصول واحدة تأخذ عنها جميعا ، ونحن نعرف أن علماء اللغات يقسمونها إلى أصول ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
