يوجد خير إلا وقد وفّره له الله ، فلو حرم بعض ذلك فلن يثبت له إيمان ، ويقبل الله أن يحرمه إبليس من ثروته وعياله ويبقى عليه هو نفسه ، وتذهب ثروته بددا ، فأراضيه وخيله وبقره وغنمه يستولى عليها الأعداء ، ويقتلون حشمه وخدمه ، وتطيح العاصفة بسقف بيته ، وتدمّر البيت على أولاده فيقتلون جميعا ، الذكور والبنات ، إلا امرأته. ولما أعلموا أيوب بالمصيبة الأولى شكر لله الضرّاء كما كان يشكر له السرّاء. وفى المرة الثانية لمّا عرف بفقد عياله صرخ وبكى وأهال التراب على رأسه ، ولكنه ندم واستغفر. وفى المرة الثالثة لما ظهر الطفح الجلدى بجسمه جميعا وبدأت آلام بطنه ، شككته امرأته فى إقباله على الله رغم نوازله ، فعاتبها وقال لها : أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشرّ. واشتد به المرض العضال ثمانى عشرة سنة ، عانى فيها أشد المعاناة ، وازداد به اليأس من حالته ولكنه كان يرى بقلبه أنه فى يوم من الأيام سيأتى الفرج ويكون الخلاص ، وسيعود إليه رضا الله عنه ، وبقى أيوب ثابت الإيمان ، راسخ الاعتقاد فى الله ، ودائم التوكّل عليه ، حتى أنه ليرى أنه إذا مات ولم يكن قد انصلح حاله فإنه حتما سيكرمه الله وسيجازيه على ما احتمل ، ويقول أحد أصحابه عندئذ : ربما أن الألم الذى ينزل بالأبرار ليس غضبا من الله ، ولكنه تأديب منه تعالى كتأديب الأب الشفوق بولده. وحينئذ ظهر لهم الله ينبّههم إلى ضالة ما يعرف الإنسان ، وأن عقله ومعرفته لا يؤهلانه لفهم أحكامه تعالى ، فيتواضع أيوب. ثم إنه يشفى ويعود لثرائه ، وتعود إليه أسرته. والقصة تستغرق اثنين وأربعين فصلا ، وكان لذلك أثره على شرّاح القرآن فتعرّضوا لمسائل وتفاصيل فى حياة أيوب لم ترد فى القرآن ، وذلك هو الجانب الوحيد الذى اهتم به المستشرقون من أمثال آيزنبرج ، وجرينباوم ، وهوروفتس ، وسيليجزون ، ولم يهتموا بدراسة فروق بين القصتين فى القرآن والتوراة ، ودلالات ذلك من جهة الروح العامة اليهودية والعربية ، وما استأثر بعناية كل من اليهود والعرب من القصة ، ومردود ذلك على تفسيراتهم لاسم أيوب فى العربية والعبرية. ولقد شرحنا مضمون الاسم فى العبرية ، وبقى مضمونة فى العربية. واسم أيوب من آب أوبا ، ومآبا ، أى رجع ، تقول : آب إلى الله ، يعنى تاب إليه ، والأوّاب هو التائب ، وكان أيوب من الأوّابين وقال فيه الله تعالى : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٤٤) (ص) ، فلأنه ابتلى وصبر ، وكان كثير الرجوع إلى الله بالاستغفار والتوبة والإنابة ، فإنه كان نعم العبد. والصبر لا يقدر عليه إلا أولوا العزم ، وللصابرين عقبى الدار ، وفيهم قال تعالى : (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا) (السجدة ٢٤) ، وأيوب صار بالصبر من الأئمة ، وكان صبره فى القمة ، يقول تعالى : (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
