التوراة ، فقد جعل الملائكة أول مرة ثلاثة ، ثم جعلهم اثنين ، بينما القرآن تحدّث عنهم فى كل السور التى أورد بها قصة لوط بصيغة الجمع قال : (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ) (٦١) (الحجر) ، والجمع يكون للثلاثة فما فوق. وكان القرآن فى قمة البلاغة ولم يسرد القصة سردا كالتوراة ، فقال فى الأمر الصادر إلى لوط : (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (٦٥) (الحجر) ، وقال : (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (٦٦) (الحجر). وشخصية لوط تنبئ عن ملامح عظيمة بقوله للملائكة : (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (٦٢) (الحجر ٦٢) ، وبقوله لأهل سدوم يبعدهم عن الملائكة : (إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ) (٦٩) (الحجر) ، فلما قالوا له : (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ) (٧٠) (الحجر) ، يعنى عن أن تضيف أحدا من الغرباء وتمنعنا عن أن نقصدهم بالفحشاء ، قال : (هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (٧١) (الحجر) ، ويخطئ المفسرون الذين قالوا إنه يقصد بناته على الحقيقة ، ولعمرى ما ذا يقصد بذلك لوط إذا كان قولهم صحيحا؟ ولا يمكن أن يعنى السياق «هؤلاء بناتى فتزوجوهن» كما يقول المفسرون ، فالموقف لا يقتضى مثل ذلك ، وإنما المقصود من «بناتى» : كلّ بنات أهل المدينة ، ينهاهم بهذا القول عن إتيان الذكران ويطلب إليهم «أن يتزوجوا النساء كخلق الله الأسوياء» ، وينبّههم إلى مزالق عزوفهم عن الزواج ، فذلك ما جعلهم ينحرفون ، والدليل على أنه يقصد بقوله «بناتى» بنات المدينة ، أن بناتى جمع ، ولم يكن عند لوط بنات بالجمع فى سن الزواج بل هما ابنتان لا غير! والقرآن والتوراة مختلفان فى هذه الجزئية ، فالتوراة كما سبق : تجعل له بنات وأزواج بنات وبنين ، ويعرض لوط فى التوراة على قومه بناته فعلا ليفعلوا بهن الفحشاء بدلا من ضيفيه ، وليس ذلك فى القرآن ، والمعنى فى آياته مختلف تماما. ولقد كان إتيان الذكران عند لوط فضيحة وعملا مخزيا شائنا ، مثله مثل الزنا. ومنذ البداية توجّس لوط الشرّ لما جاءه الملائكة ، كقوله تعالى : (سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (٧٧) (هود) ، لأنه توقع أن يضايقهم قومه ويحاولون غوايتهم. والزواج فى عرف لوط أطهر من هذا الشذوذ ، قال : (هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) (هود) ، وكان فى غاية «الهمّ» الذى يحكى عنه «أهل الفلسفة» عند ما قال : (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) (هود) ، وعانى أشد المعاناة من حصرanxiety (القلق والهمّ) كالذى يعانيه المستضعفون ممن لا حول لهم ولا قوة إلا بالله : قال : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (٨٠) (هود) وتلك لعمرى أروع عبارة على جهة الاستكانة والتفجّع والتسليم لله ، فاستوجبت تدخل السماء ، وأن يأتيهم الدمار لمن يلتفت خلفه ، فأطاعوا جميعا إلا امرأته ، قال الله تعالى فيها
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
