لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (٦١) (الأنبياء) دليل على أن أول محكمة فى التاريخ من هذا النوع كانت لمحاكمة إبراهيم ، فلما رجع قومه من الاحتفالات بعيدهم رأوا تماثيل آلهتهم محطمة كالجذاذ ، وقبضوا على من قبضوا عليهم واستجوبوهم ، وخلصوا إلى أن الفاعل كان فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، فقبضوا عليه وعقدوا له محاكمة علنية بمرأى من الناس ، لتكون أقواله فيها حجة عليه ، وليشهد الناس عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه ، أو لعل آخرين يتقدمون ليشهدوا بأنهم رأوه يكسر أصنامهم ، وليعلموا أنه يستحق العقاب ، واستفهموه : (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ) (٦٢) (إبراهيم) ، فقال لهم على جهة الاحتجاج عليهم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (٦٣) ، فعلّق الجواب على اتهامه وتصديقه أو تكذيبه ، على الصنم الكبير إن كان ينطق ، فنبّه على فساد اعتقادهم ، وكأنه كان يستنطق الأصنام الصغيرة أن تشهد إن كانت تنطق ، ويستنطق الصنم الكبير أن يكذّب اتهامه ، إن كان ينطق ، فبيّن أن من لا يتكلم لا يستحق أن يعبد وأبدهتهم حجته : (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) (٦٤) (الأنبياء) ، وهؤلاء كانوا نفرا منهم ، لأنه إذا كان هناك رأى ، فلا بد أن يكون هناك رأى آخر ، ورجوع أصحاب الرأى الآخر هو رجوع المنقطع عن حجّته ، المتفطّن لحجة خصمه ، كقوله : (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) ، ظلموا أنفسهم بعبادة من لا ينطق ، ولا يملك أن ينطق ، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس ، من لا يرد عن رأسه الفأس؟!! وهذا رأى كان لا بد أن يدحضه رأى آخر : (نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) (الأنبياء ٦٥) ، أى أنهم بهذا الرأى عادوا إلى جهلهم وعبادتهم ، وردّوا إلى كفرهم ، فقالوا : (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) (٦٥) (الأنبياء) ، فقال يحاورهم ويردّ على مقالتهم وحجتهم : (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٧) (الأنبياء) ، فقطعتهم حجّته وأفحمهم فيما يتقوّلون ، فأصدروا أول حكم من نوعه فى التاريخ : (قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (٦٨) (الأنبياء) ، وكان هذا التحريق لإبراهيم مدعاة لمزيد من أحكام التحريق عبر التاريخ ، ومن ذلك «أصحاب الأخدود» الذين ورد ذكرهم فى القرآن فى سورة البروج (انظر القصة فى باب قصص القرآن) ، واشتهر اصطلاح التحريق holocaust أوauto ـ da ـ fe ، وفى الخبر أن النمرود بنى صرحا وجمعوا فيه الحطب ثم أوقدوه حتى اشتعلت النار واشتدت ، حتى أن أيا ما يمر من فوقها ليحترق من شدّة وهجها ، وقيّدوه ووضعوه مغلولا فى المنجنيق ليرموا به فيها ، وكانت معجزة الله فى إبراهيم أن أبطل فعل النار ، قال : (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) (٦٩) (الأنبياء) ، فلم يحترق إلا وثاقه ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
