وبعد عام فرضت الزكاة والصيام ، ثم فرض الحج فى السنة السادسة. وحتى فى العادات بدئ بالصغائر وتدرّج الأمر إلى الكبائر ، ولقد كانت الخمر مستحكمة ومنتشرة ، فلم يحرّمها دفعة أو جملة ، وإنما على تفريق ، ونظّم الزواج والطلاق على مراحل. ولقد سأله اليهود عن مسائل لم يجب عنها دينهم ، فهل كان سيجيب عنها القرآن قبل أن تسأل ، فمثلا سألوه عن الروح ، فنزلت : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، وسألوه عن اليتامى ، فنزلت : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ...) (٢٢٠) (البقرة) ، وقد وردت فى التنزيل ضمن باب «يسألونك» خمس عشرة مسألة ، فالقرآن كان كتابا فيما يستجد من أقضية ووقائع ، وكان يجارى المجتمع فى عصره ، وآيات الإفك مثلا ما كانت تتنزل إلا فى وقتها ، وما كان التيمم يفرض إلا لمسبباته ، وكذلك سورة المجادلة فى المرأة التى تشتكى من زوجها ، وكانت هناك أخطاء ارتكبها المسلمون فنزل القرآن لتصحيحها ، ومفاهيم لم يخطر خطؤها على بال أحد ، فقوّمها وشذّبها القرآن وعدّل فيها ، وكان هناك منافقون أظهرهم الوقت ، وكشفتهم الأحداث ، فأظهر القرآن مخبوأهم ، وهتك أستارهم كما فى سورة التوبة. ثم إن نزول القرآن مفرّقا أبان أنه كتاب لم يؤلّفه محمد ، فكان منذ البداية وحتى انقضاء السنوات الثلاث والعشرين مدة نزوله ـ بنفس الأسلوب المحكم ، والسبك الدقيق ، والإعجاز المبهر ، والتناسق البديع ، والنظم المتين ، فأشهد أنه قد تنزّل من لدن عزيز حكيم ، كقوله تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (٨٢) (النساء) ، والقرآن على ذلك برهان من براهين إثبات وجود الله ، كقوله : (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٦) (الفرقان) ، ولا يعلمه إلا هو الواحد الأحد الذى لا شريك له.
* * *
١١٩. القرآن محدث ولكنه غير مخلوق
نعت الله تعالى القرآن فى الآية (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (٢) (الأنبياء) بأنه ذكر محدث ، والذكر هو ما يذكّرهم به النبىّ صلىاللهعليهوسلم مما يتنزل عليه من ربّه ، ومحدث يعنى كان تنزّله سورة بعد سورة ، وآية بعد آية ، وفى وقت بعد وقت ، ولا يعنى ذلك أن القرآن مخلوق. ووعظه صلىاللهعليهوسلم ذكر محدث من ربّه ، لأنه لا ينطق إلا بالوحى ، والذكر يتجدّد ، وكلما جدد النبىّ صلىاللهعليهوسلم الذكر استمروا على عدم الإنصات والاستماع ، وأنكروه وجحدوه ، وتشاغلوا عنه بالقدح فيه والاعتراض عليه ، وبقوا على حالهم من الجهل به يستهزءون ، ومع كل محدث وجديد يتناجون بالتكذيب ، وما أثيرت قضية المحدث
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
