وذلك مبدأ فلسفى ، وأخلاقى ، وقانونى ، عام ، لكل الناس فى كل زمان ومكان ، من جرّاء قصة ابني آدم ، وجريمة قابيل ، وخصّ بنى إسرائيل بالذكر بسبب طغيانهم وسفكهم الدماء ، ومن لا يصدق فلينظر ما ذا يجرى فى فلسطين من المذابح ، ومعنى هذا المبدأ : أن قتل النفس الواحدة يستوى وقتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة ، وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله ، فهو كمن أحيا الناس جميعا ، والذى ينتهك نفسا واحدة يلحظ بعين منتهك الجميع ، ومن استحلّ واحدة فقد استحلّ الجميع ، لأنه أنكر الشرع ، وجحد العقل ، وقتل إنسانيته فيه ، والرحمة التى أودعها الله به ، فهو ليس بإنسان ، والتزام الشرع مقياس للتحضّر ، وبمقتضى ذلك فإن إسرائيل والروس وأمريكا وبريطانيا ـ حتى لو أفلحوا فى بلوغ المريخ ، فهم بهذا المقياس غير متحضّرين ، وثقافاتهم ثقافات منحطة ، وذلك بعض ما توحيه قصة القرآن ، فشتّان بينها وبين قصة التوراة ، وإن شئت معيارا لقياس الحضارات فهو هذا المعيار : الكتاب الدينى للأمم ، لأنه ضمير الأمة ، ومرجعها الأخلاقى ، وقصة القرآن فيها الحكمة ، والموعظة ، والعبرة ، والسموق الروحى ، والعلو الفكرى ، والسمو النفسى ، وذلك بعض أوجه الروح العربية مقارنة بالروح اليهودية ، أو الروح الآرية ، والغريب أنهم يقولون عن المسلمين أنهم شعوب منحطة؟!! فحسبنا الله.
* * *
٧١٦. قصة نوح
نوح Noah أوحى إليه كما أوحى إلى الأنبياء ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء ١٦٣) ، والوحى إعلام فى خفاء ، وكان نوح من المصطفين ، كقوله : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (٣٣) (آل عمران) ، وسبب اصطفائه كما قال : (إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) (٣) (الإسراء) ، وأخذ منه الميثاق كما أخذ من النبيين ، كقوله : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ...) (الأحزاب ٧) ، والميثاق : هو الإقرار بالله ، ولم يؤخذ الميثاق إلا من أولى العزم من الرسل وأئمة الأمم ويتصدّرهم هؤلاء الخمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وفى الحديث أن نبيّنا قال عن نفسه : «كنت أولهم فى الخلق وآخرهم فى البعث» ، يعنى كان آخرهم بعثا ولكنه أولهم تفضيلا ، وفى الخبر أن نوحا أول رسول ، واختص بأهل الأرض كنبيّنا. وقوم نوح كانوا أول المكذّبين بالأنبياء ، كقوله : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (١٠٥) (الشعراء) وتتابع من بعدهم أقوام آخرون كذّبوا مثلهم ، كقوله : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى)
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
