ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سنّ القتل» ، وشبيه به الحديث : «ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». وأمثال قابيل قدوة يقتدى بهم القتلة والسفّاحون والمجرمون ، وفى الاصطلاح أنهم أئمة وإنما فى الإجرام ، وفى الحديث : «إن أخوف ما أخاف على أمتى الأئمة المضلّون» ، ويبدو قابيل ابن أبيه ، كما تقول الآية : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران ٣٤) ، والآية : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف ٧٧) ، وأبوه آدم كان أول من عصى الله من البشر ، وأول من خالف إلى ما نهى عنه ، إلا أنه تاب وعفا الله عنه ، فلم يصبح إماما فى العصيان ، وقابيل أصبح من الخاسرين بقتل أخيه ، ولكنه أيضا أصبح من النادمين بعد أن تلقى الدرس من طائر بسيط هو الغراب ، تعلم منه أن يوارى أخاه التراب ، وكان ندمه أنه ترك جثة أخيه مدة ولم يعرف كيف يتصرّف بها ، ولو كان قد ندم وتاب لتقبّلت توبته ، ولكنه لم يتب كأبيه. وصار إبليس بكفره رأس الكافرين من الجن ، وقابيل بجريمته رأس الخطّائين من الإنس. وهذا ما جعل علماء الطب النفسى يقولون بعقدة قابيل Cain\'s complex : وهى «عقدة الحسد للأخ الأكبر» ، وتمنّى الخير الذى عنده ؛ ونقيضها عقدة هابيل Abel\'s complex ، وهى استسلام الأخ الأكبر لنزوات الأصغر ، وانصياعه له ؛ ومثل ذلك عقدة إسماعيل بن إبراهيم Ishmael\'s Complex : وهى انصياع الابن لأبيه حتى لو طلبه للموت ، ونقيضها عقدة ابن نوح Noah\'son complex : وهى تجبّر الابن على أبيه ، ورفضه لسلطته ، وخروجه عليه ، حتى لو كان فى ذلك هلاك الابن. والجزء الخاص بالغراب فى قصة القرآن قمة فى الحكمة ، والمسلمون الذين يقرءون القرآن ، كلما صادفهم غرابا يذكرون قصة القرآن فيتأملونه بإكبار. والغراب من أذكى الطيور ، وأروى عن غراب عثر على قطعة خبز جافة جدا ، فأخذها بمنقاره إلى ماء متجمّع فى حديقة النادى ، ووضع القطعة فى الماء يبللها ، ثم أخذها فكانت صالحة لأن يأكلها بعد أن زال جفافها! وفعل غراب قابيل فى أخيه الغراب ، فى مواراة جثة الميت ، سنّة باقية فى الخلق ، والفضل فيها لهذا الغراب ، وصار دفن الميت فرضا على جميع الناس على الكفاية. والقبر الذى استنّه الغراب حفرة ، هو الشق ، ومع تقدم المدنية صارت الحفرة لحدا ، والرسول صلىاللهعليهوسلم دفن فى اللحد ، وهو أن يحفر فى جانب القبر ويوضع الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب. وفى ختام هذه القصة يأتى الدرس المستفاد ، وهو قوله تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة ٣٢)
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
