والإلحاد والشكر لغير الله ، والأسماء نخترعها بأنفسنا ونجعل لها المعانى ـ كالعولمة والليبرالية ، وبعد أن نصنعها نتعبّدها ، ونجمد على تقديسها : والسورة تعلن الثورة على أصنام الحضارات ، وأوثان الثقافات ، وتردّ الأمور إلى نصابها ، وإلى خالق كل شىء ، العلىّ العظيم ، والواحد الكريم ؛ بديع السموات والأرض ، الذى يطعم من جوع ويؤمن من خوف ، لا لقريش وحدها ، وإنما لكل من كان فى مكة وما حولها ، والحرم ليس الكعبة وحدها ، ولكنه مكة أو بكّة والقرى من حولها ، ومكة بالنسبة لهذه القرى كالأم ، وكانت بحق أم القرى ، وأىّ من كان طالما هو فى هذه القرى فهو ، فى حرم الله. وكان العرب يغيرون على بعضهم ، فأمنت قريش دون العرب لأنهم أهل الحرم ، وأكرمهم الله ببيته فى بلدهم ، كقوله : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٥٧) (القصص) ، بدعوة نبيّنا إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (البقرة) ، فلما لم يعلموا ، ولم يحمدوا الله ويعبدوه ، وأنكروا القرآن وآذوا النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، صدق فيهم قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) (النحل) فكانت دعوة الإسلام ، وقوله صلىاللهعليهوسلم يخطب فى قريش ، يقول : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (٢) ، ويحكم يا معشر قريش ، اعبدوا ربّ هذا البيت الذى أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف». فهكذا يجزى المؤمنون لأنهم فى ذمة الله ، والسورة بآياتها تخصّ ، وبمعانيها تعمّ.
* * *
٦٨٩. سورة الماعون
عدد آيات السورة سبع ، ونزلت بعد التكاثر ، وقيل : إن الآيات الثلاث الأولى منها مكية ، والآيات الأربع الباقية مدنية ، إلا أن مناسبة نزول السورة تجزم بأنها مكية ، فقد نزلت فى العاص بن وائل السّهمىّ ؛ وقيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ؛ وقيل فى أبى جهل ؛ وقيل فى عمرو بن عائذ ؛ وقيل : فى أبى سفيان ، وهؤلاء جميعا كانوا من نزلاء مكة ، وكان أهلها لا يورثون النساء ولا الصغار ، ويقولون : إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام! ودعّ اليتيم : هو نهره ؛ والمسكين : هو من لا يجد قوت يومه ، فلمّا حضّ الله تعالى على إطعام المساكين قالوا مقالة أهل الكفر : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) (٤٧) (يس) وهاتان الصفتان نهر اليتيم ، وعدم الحضّ على طعام المسكين ، من صفات المكذّب بالدين ، الذى لا يؤمن بالآخرة والبعث والحساب. وقد يعتنق الدين لسبب من الأسباب ، فتلزمه
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
