والفتنة ذكرى للناس وعظة لهم وتذكرة ، وهؤلاء الضالون أعرضوا عنها كالحمر النافرة ، يريد كل منهم أن يؤتى بكتاب وحده ليقتنع ، وفى الرواية أن أبا جهل قال للنبىّ صلىاللهعليهوسلم : يا محمد! ايتنا بكتب من ربّ العالمين مكتوب فيها : إنى قد أرسلت لكم محمدا!! وقال ابن عباس : كان أهل قريش يطلبون من النبىّ صلىاللهعليهوسلم إن كان صادقا أن يأتى كل رجل منهم صحيفة فيها براءته وأمنه من النار! فلم يكونوا يقدرون على الاتّعاظ والتذكّر ، ولو فعلوهما لوجدوه تعالى أهلا للتقوى والمغفرة ، وفى الحديث عند الترمذى : «قال الله تبارك وتعالى ، أنا أهل أن أتّقى ، فمن اتّقانى فلم يجعل معى إلها فأنا أهل أن أغفر له».
وفى السورة الكثير من وجوه البيان والبديع ، ومن ذلك الاستفهام للتهويل كقوله تعالى : (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) ؛ والسجع المرصّع فى مثل قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) ، و (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) ؛ وقوله : (إِذْ أَدْبَرَ) يرجّح كثيرون أنه (إِذْ أَدْبَرَ) لأنه أكثر موافقة للحروف التي تليه : (إِذا أَسْفَرَ) ، فكيف يكون أحدهما (إِذْ) والآخر (إِذا)؟ وليس فى القرآن قسم تعقبه (إِذْ) وإنما يتعقبه (إِذا). ومن وجوه البيان بخلاف ما سبق : الطباق كما فى : «عسير ويسير» ، و «تقدّم وتأخّر» ؛ والمقابلة كما فى : (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) ؛ والتقريع الجميل ، كما فى الآية : (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) ؛ والتشبيه كما فى قوله : (مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) ؛ والجناس كما فى (نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) إلى آخر ذلك من وجوه جمال الأسلوب القرآنى ؛ وأسلوب التأكيد فى قوله : (كَلَّا وَالْقَمَرِ) ، وجاءت الصورة فى القسم بالقمر فى ساعات الليل الأخيرة ، والصّبح يقارب الإسفار ، غاية فى الجمال ، ولها التأثير الوجدانى المطلوب للإحساس بهول النار بعد ذلك مباشرة ووصف القرآن لها بأنها إحدى الكبر ، أى العظائم. وأصحاب اليمين مصطلح قرآنى ، وهم أصحاب الحقّ وأهل الإيمان ، وغيرهم «المرتهنون» ، وهو مصطلح آخر ، يعنى بهم الذين يدخلون فى «الرهن» ، كقول تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨) أى «مرتهنة» بكسبها ومأخوذة بعملها ، فإما يخلّصها عملها وإما يوبقها ، باستثناء أصحاب اليمين ، فهؤلاء لا يرتهنون بذنوبهم ، وفى قوله : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) (٤٨) يقصد بهم المرتهنون ، وقيل إن هذه الآية دليل على صحة الشفاعة للمذنبين من أهل التوحيد ، ولا شفيع يشفع للمكذّبين. فذلك وأمثاله كثير ، هو بعض ما فى هذه السورة العظيمة من معان كبيرة ، ووجوه للجمال رائعة.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
