٧٩) يعنى زيادة على الصلوات المعتادة ، ومع ذلك فإن قيام الليل إطلاقا من الفروض ، وإنما فرضه كان فرض كفاية لا فرض عين ، وأراد به الله تعالى أن يمارس المسلمون مشقة القيام ، فتكون لهم التربية البدنية والروحية التى تؤهلهم لما سيناط بهم من بعد من مهمة التبليغ إلى الأمم ، وما سيواجهونه من مشاق فى ذلك ، وقد يجبرون على القتال ، وقد يعانون الحصار والجوع وتنالهم الهزائم ، فلا محيد لهم عن أن يصبروا ، ومن أين يأتى الصبر إن كانت أبدانهم لم تعتد الشدائد ، وكانت نفوسهم لما تعان الضغوط والضوائق ، فكان فرض قيام الليل ليخلق أجيالا من المسلمين الأشداء ، وكان الصيام ليتمرّسوا بكل ما يمكن أن يجرّه عليهم الإسلام من العناء ، وليس أشد عناء من الجوع ، ولا أشد ابتلاء من أن يقاتل المسلم ، ويخرج من داره ، ويطرد من بلاده ، ويمنع من التعبّد لله. وليس صحيحا إذن أن قوله : (ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) مرتبط بقيام الليل أى بالصلاة ، وإنما هى خاصة بقراءة القرآن فى غير الصلاة ، وأمّا قيام الليل فهو فرض وإنما على القادر عليه ، ولذلك قيل فى مدة القيام ربما نصف الليل ، أو أقل أو أكثر ، وربما الثلثان أو الثلث ، فعلى الموسع قدره ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وقد يصلى ثلاث ركعات ، أو أربعا ، أو خمسا ، أو ستا ، أو سبعا ، أو ثمان ، أو تسعا ، وقد صلى الرسول صلىاللهعليهوسلم كل ذلك حتى إحدى عشرة ركعة ، وثلاث عشرة ... إلخ. ويروى عن عائشة قولها : كنت أجعل للنّبىّ صلىاللهعليهوسلم حصيرا يصلى عليه من الليل ، فتسامع الناس به ، فلمّا رأى جماعتهم كره ذلك ، وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل ، قال : «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل ، وإن خير العمل أدومه وإن قلّ» ، يعنى فمن كان يستطيع أن يقوم الليل فليفعل ذلك بأى عدد يقدر عليه ، فالمهم أن يأخذ نفسه بما تستطيعه ، وأن يداوم عليه ، والله تعالى يثيب كلا على قدر تعبّده. وأما قراءة القرآن فنفهم أنها فرض كذلك ، ولكل أن يقرأ على قدره ، والمهم أن يقرأ (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) ، ومطلق الأمر فى السورة على وجوب القراءة ، ووجوب القراءة ، يعنى وجوب حفظ ما يتيسر منه ، وبذلك يعى المسلم لما ذا القرآن معجز ، وأنه كتاب محيط ، ويلمّ بدلائل وجود الله ، ودلائل قدرته ومنصرفات هذه القدرة ، ومعنى أسمائه ، ويعرف عن رسالات الرسل ، وأقل ما يجب على المسلم أن يحفظه ثلاث آيات ، وهو مقدار أقصر سورة منه ، ليمكنه أن يقيم بها صلاته ، والوجوب إطلاقا أن يكون بوسعه أن يقرأ القرآن كله وأن يعاود القراءة بانتظام ، لأن الله قد يسّره على العباد ، أو أن يتمرّس بقراءة ثلثه ، أو أكثر من ذلك أو أقل. ومن فقه ذلك أن الأمىّ الذى لا يقرأ ولا يكتب ، إيمانه ناقص ، لأنه لن يستطيع أن يقرأ القرآن أو بعض آياته ، ولن يكون بوسعه أن يرتله ترتيلا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
