والسورة حافلة بالصور البليغة الرائعة ، ومن ذلك صيغ المبالغة فى كلمات مثل حلّاف ، وهمّاز ، ومشّاء ، ومنّاع ؛ والجناس : فى مثل مجنون ، وممنون ؛ والكناية : فى مثل : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) ، كقول القائل عن الحرب : شمّرت عن ساقها ؛ والطباق : فى مثل : المسلمين ، والمجرمين ؛ والتوبيخ الفائق ، فى مثل : (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)؟ (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ)؟ والسجع المحبوك : فى مثل : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ). والحمد لله ربّ العالمين على نعمة القرآن ، والله سبحانه وتعالى الموفّق للصواب.
* * *
٦٥١. سورة الحاقة
الحاقة من السور المكية التى مدارها العقيدة ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والستون ، وكان نزولها بعد الملك ، وترتيبها فى التنزيل الثامنة والسبعون ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية ، وقيل فيها إنها تجير من الفتنة ، وهى نور لقارئها يوم القيامة. ومعنى الحاقة : يوم القيامة ، وهو يوم الحقّ ، لأن الأمور تحقّ فيه من غير شك ، فلأقوام تكون الجنة ، ولأقوام تكون النار ، ويصير كل إنسان حقيقيا بجزاء عمله ، من حاققته فحققنه أحقّه ، أى غالبته فغلبته ، فالقيامة حاقة لأنها تحقّ كلّ محاقّ فى الدين بالباطل ، أى كل مخاصم ، ويقال لها الحاقة ، والحقّة ، والحقّ. والسورة كل مدارها لذلك يوم القيامة أو البعث ، وصورها البلاغية عن هذا اليوم ، وفيها الوصف التفصيلى لمآل المنكرين له ، وقد أنكرته ثمود ، وعاد ، وفرعون ، وقوم نوح ، والمؤتفكات ـ أى قوم لوط ، فأخذهم الله أخذة رابية ـ أى شديدة. فإذا كان هذا اليوم ونفخ فى الصور ، فإن الواقعة تقع ، فتدكّ الجبال ، وتنشق السماء ، ويبعث الناس يعرضون على الحاسبين ، فلا تخفى منهم خافية ، فمن يؤتى كتابه بيمينه فهو فى عيشة راضية ، فى الجنة العالية ، ومن يؤتى كتابه بشماله فهو فى الجحيم يصلى نارا حامية ، استحقاقا بإنكاره لله ، وعزوفه عن الصلاح. وتثنى السورة على النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وتؤكد أن ما يبلّغه من القرآن هو قول رسول كريم ، وتنفى عنه أنه شاعر أو كاهن ، أو أنه يتقوّل على الله ، وإذن لأخذ منه باليمين وقطع منه الوتين ، وقوله هو حق اليقين ، يعنى به القرآن ، لا مرية فيه ولا شك ولا ريب ، فسبحان الله العظيم الذى أنزله!
والسورة بها الكثير من وجوه البيان ، من مثل الإطناب تهويلا فى قوله : (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) ؛ ولجوئه للتفصيل بعد الإجمال فى قوله : (فَأَمَّا ثَمُودُ وَأَمَّا عادٌ) ؛ واستخدامه التشبيه المجمل فى قوله : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) ؛ والاستعارة فى قوله : (لَمَّا طَغَى الْماءُ) ؛ والجناس فى قوله : (وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) ؛ والمقابلة فى قوله : (بِيَمِينِهِ) (الحاقة ١٩)
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
