و (بِشِمالِهِ) (الحاقة ٢٥) وطباق السلب فى قوله : (تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ) ؛ والسجع المرصّع يفصل به بين الآيات ، فى قوله : «رّاضية» ، «عالية» ، «دانية» ، فغلّوه» ، «وصلّوه» ، «فاسلكوه».
ومن المصطلحات الإسلامية الخالصة فى هذه السورة : «الأذن الواعية» ، تسمع وتفهم ، وتعى وتحفظ ؛ و «النفخة الواحدة فى الصور» ، قيل هى ثلاث نفخات : الأولى «نفخة الفزع» ، ثم يعقبها «نفخة الصعق» ، تصعق من فى السموات والأرض إلا من شاء الله ، ثم «نفخة البعث» ، فيبعث الناس ويعرضون فلا تخفى منهم على الله خافية ، فهو العرض الكاشف الفاضح ، ومنه ثلاث عرضات : اثنتان منها جدال ومعاذير ، والثالثة هى : «العرض الأكبر» ، وفيه تطير الصحف فى الأيدى ، فآخذ بيمينه ، وآخذ بشماله. وفى السورة نعرف أن عرشه تعالى يحمله ثمانية ، قيل هم ملائكة يكونون «ثمانية» صفوف ، وهذا العدد من المتشابه ، وفيه أقوال كثيرة ، وأكثرها خرافات ورجم بالغيب. وفى قوله تعالى : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ) ، يعنى أن كلام القرآن يباين صنوف الشعر ، ولم يرد بسبّ ولا قذف ولا شتم. ويروى عن عمر بن الخطاب ، أنه قبل أن يسلم خرج يتعرّض للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، فوجده قد سبقه إلى المسجد ، فقام خلفه ، فاستفتح النبىّ صلىاللهعليهوسلم بسورة الحاقة ، يقول عمر : فجعلت أعجب من تأليف القرآن! وقال : هذا والله شاعر كما قالت قريش! فقرأ النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ) (٤١) ، فقال عمر : هذا قول كاهن ، فقرأ النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٣)! قال عمر : فوقع الإسلام فى قلبى كل موقع ، فهذا من جملة أسباب إسلام عمر.
والسورة فيها الاعتبار بمن سبقوا من المكذّبين ، والتحرر عمّا فعلوا ، وألّا يصيبنا ما أصابهم. والدرس المستفاد : أن أمة الإسلام غير الأمم الأخرى ، فأولئك عجّلت لهم العقوبة ، وأمة الإسلام أجّلت وأخّرت إلى يوم القيامة. وأما خاصة أمة الإسلام .. وهم أتقياؤها ـ فلو أضاعوا الأدب يعاقبهم برياح الحجبة ، تطيح بالاحتشام من قلوبهم ، وتعصف بأحوالهم فيمتحنوا ، ويصيروا على خطر أن يدركهم سخط الحقّ. وأما منّته على أوليائه فإنه يسلمهم فى عافية ، فلا يتنازعون ، ولا يتحاسبون ، ويسلمون من الناس ، ويسلم منهم الناس.
وبعد : فهذه هى سورة الحاقة : من أروع سور القرآن العظيم ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
