ظاهرة جديدة فى المجتمع الإسلامى ، فقبل المدينة كانت مشكلة الإسلام مع الكفر ، فلما ظهر الإسلام وصارت له شوكة فى المدينة ، دخلته جماعات من أهلها نفاقا ، وعانى الإسلام منهم كثيرا ، والسورة يبلغ عدد آياتها إحدى عشرة آية ، منها عن النفاق والمنافقين ثمانى آيات ، وتليها ثلاث آيات عن مواعظ تحذر من النفاق وتهدى إلى نبذه واجتنابه. والسورة نزلت بعد الحج ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والستون ، وفى التنزيل المدنى الثامنة عشرة ، وفى التنزيل عموما الواحدة والثمانون. وفى السورة تحليل للنفاق ، ووصف للمنافقين ، وأمثال مما جرى معهم ، حتى صار اسم السورة عن حق هو «المنافقون» ، وتذكرهم فى أول آية منها مرتين ، تقول : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (١) وهذه الآية موجز للسورة ، وإشارة إلى أسباب نزولها ، فلقد كان المسلمون فى غزوة بنى المصطلق ، فاستمع نفر منهم إلى عبد الله بن أبىّ رأس النفاق ، يحرّض الأعراب أن يكفّوا عن إطعام أصحاب النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وأن ينفضّوا من حوله ، وبتعبير السورة : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (٧) ، وقال لهم متوعدا المسلمين : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ ـ يحث أصحابه على الغدر بالمسلمين. فهؤلاء كانوا المنافقين فى عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وهم اليوم شرّ منهم ، فالسابقون كانوا يكتمون نفاقهم ، والحاضرون يظهرونه جهرا عيانا نهارا. وفى الحديث فى آيات النفاق : آية المنافق ثلاث : «إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان» ، وفى الحديث الآخر تزيد هذه الآيات واحدة ، يقول : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر» ، فجاء العهد فى مكان الوعد وهما سواء ، وكانت الخصلة الجديدة هى الفجور فى الخصام ، وخلاصة ذلك كله أن المنافق لا أمان له ، ونقيضه المؤمن ، وفى الحديث : «المؤمن إذا حدّث صدق ، وإذا وعد أنجز ، وإذا ائتمن وفى». وفى السورة أن منافقى المدينة كانوا كل ذلك ، وكانوا كاذبون ، يشهدون للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ظاهرا ، وينكرونه باطنا ، ويتعايشون مع المسلمين والحقد والضغينة قد طبعا قلوبهم ، حتى ران عليها الكفر فما عادوا يفقهون شيئا ، ولا يستمعون لحق ، تنظر إليهم فتعجبك أجسامهم ، وإذا تحدّثوا تحب أن تستمع إليهم ، وفى الحقيقة هم أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام ، يستبد بهم قلق دفين ، وخوف مريب ، ويظنون الناس إذا تناجوا فإنما يلغطون فيهم ، وإذا تنادوا يحسبون أنهم ينادون عليهم ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
