شبّه به الإيمان ، فجعل المعنى المجرد محسوسا ، وجاء التشبيه بالتجارة مما كان يمتهنه أهل مكة والمدينة ، كقوله : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) (التوبة ١١١) ، وقوله : (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (البقرة ١٦) ، وقوله : (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (النحل ٩٥) ؛ ومصطلح آخر معناه من الإنجيل ولكن مبناه قرآنى بحت ، وهو «أنصار الله» و «الحواريون» والاثنان فى الإنجيل بلفظ «تلاميذ المسيح» ، والتلميذ يقصر عمله على التعلّم ، ولكن النصير هو الذى ينصر ، والحوارى هو الذى يحاور ويسأل ليصل إلى الحقيقة ، فهذا هو عمله ، فمثل ما هو يتعلم فإنه يعلّم ، فالمصطلح العربى أوسع وأفضل ، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فهؤلاء ناصروه بالنفس والمال والأهل والولد ، وهاجروا معه ، ثم هم تلقوا عنه وكانوا مبلّغين ومعلمين وفقهاء وعلماء. ومن المصطلحات كذلك فى السورة «عيسى بن مريم» ، أكد على بنوّه لمريم ، إنكارا لقول النصارى أنه ابن الله ، أو كما يدعونه الربّ ؛ وافتتاح السورة بقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) تمجيد لله وتنزيه له ، قيل هو تسبيح مقال وليس تسبيح دلالة ، أى بظهور آثار الصنعة على المخلوقات ، فلو كان تسبيح دلالة لما قال الله تعالى : (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء ٤٤) ، وإذن فهو تسبيح مقال أو كلام ؛ وقوله تعالى : (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) (٢) سؤال توبيخ : فليس أمقت عند الله من أن نقول ما لا نفعل ، وأن نعد بما لا ننجز ، ومن يلتزم بشيء يلزمه شرعا ، والسؤال حجّة فى ذمّ المنافقين ، وهم هذا النمط من الناس الذين يشكون اضطرابا فى الشخصية ويقولون ما لا يفعلون ، والوفاء بالعهد أو بالوعد أو بالنذر من الإيمان ، وهو آية المؤمن ؛ ومثله سؤال موسى لقومه : (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) ؛ والسؤال ـ كما ترى ـ سؤال تعجّب ؛ يتعجب أنهم يؤذونه رغم علمهم أنه رسول الله كقوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ) (٧) ، وهو سؤال بمعنى النفى ؛ وكذلك السؤال : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ) (١٠) ، وهو استفهام للتشويق. وفى السورة أسباب كثيرة للتنزيل ضمّناه «باب أسباب النزول» ، فنرجو الرجوع إليه ، كما أن فيها عبارات كثيرة تصلح أمثالا وحكما ، ضمّناها أيضا «باب أمثال القرآن» ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.
* * *
٦٤٤. سورة الجمعة
السورة مدنية ، وآياتها إحدى عشرة آية ، منها تسع آيات كمقدمة لموضوع السورة ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
