فالله له العزة وله الحكمة ، وقد أخرج اليهود إخراجا أبديا لن يعودوا بعده إلى تلك الديار حتى يوم الحشر ، ذلك لأن إيمانهم بأنفسهم وليس بالله ، وقد ظنوا قديما أن حصونهم مانعتهم من قدر الله ، مثلما ظنوا اليوم أن خط بارليف يمنعهم من قدره ، فهذه أول صفة فيهم ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، والذى لم يحتسبوه هو ذكاء الآخرين ، لأنهم يظنون أنهم الشعب المختار ، والصفوة ، وغيرهم أغيار أميّون ، وتمثّل هذا الذكاء فى ضرب قياداتهم فى مقتل ، فلمّا قتل كعب بن الأشرف صاروا جسدا بلا رأس. والصفة الثانية : أن اليهود بهم جبن غريزى ، والجبن لا يكتسب ولكنه طبعى ، والمسلمون عرفوا فيهم الجبن فحاربوهم بالرعب ، وفى الحديث عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قال : «نصرت بالرعب بين يدىّ مسيرة شهر» ، يعنى أنه بالرعب خلال شهر واحد هزمهم نفسيا. وثالث هذه الصفات : أن مقولة شمشون : «علىّ وعلى أعدائى» تصدق عليهم دائما ، كالفأر إذا احتبس عن طريق ذيله ، فإنه يقضمه ، وكذلك الأبرص والسحلية ، وهو فعل اليهود دائما ، كقوله تعالى : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) (٢) ، ففي التاريخ اليهودى يزعمون أن أول انتحار جماعى لهم كان بعد عبادتهم للعجل ، فأمروا أن يقتلوا أنفسهم وأصحابهم وأقاربهم ، وقام بنو لاوى بتلك المهمة ، فسقط من الشعب فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف (الخروج ٣٢ / ٢٧ ـ ٢٨) ، وجاء عن ذلك أو نحوه فى القرآن : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ) (البقرة ٥٤). وقيل إنه فى قلعة الماسادا آثر ٩٦٠ من الرجال والنساء اليهود أن ينتحروا انتحارا جماعيا ولا يقعون فى الأسر مخافة التعذيب. والذين نافقوا كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) (١١) هم إخوان اليهود وليسوا منافقى المدينة كعبد الله بن أبىّ بن سلول كما تقول كتب التفسير ، فابن سلول ليس أخا لهم ، وإنما «إخوانهم» يهود بنى قريظة ، ولأنهم منافقون فإن المسلمين هزموهم بالقتل ، بينما هزموا يهود بنى النضير بأن أجلوهم عن ديارهم على أن يصحبوا معهم ما تستطيع الإبل أن تحمله ، والقرآن يشهد بنفاقهم ، وأنهم يعدون ويخلفون ، ويخذلون من يعاهدون ، ومن دأبهم الفرار فى الحرب ، لأن الحياة عندهم أكبر من أى شىء ، وفى سفر المقابيين من أسفارهم ، وسفر يشوع ، حشدوا أنواع من بسالاتهم وشجاعتهم وهم كاذبون ، والسورة حسمت الأمر فيهم وقررت أنهم يرهبون المسلمين أشد من رهبتهم من الله ، وأنهم لا يفقهون ، وقتالهم فى قرى محصنة أو من وراء جدر ، وبأسهم بينهم شديد ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، وهم لا يعقلون ، ومثلهم مثل من قبلهم أى بنى قينقاع ، وهم يهود أيضا ، أمكن الله المسلمين منهم قبل بنى النضير ، وهؤلاء أمكن الله منهم قبل بنى قريظة ـ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
