فقال : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت» ، وفى ذلك نزلت الآية : (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٨) ولمّا ذكرت السورة أن المنافقين واليهود يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلىاللهعليهوسلم ثنّت فنهت المؤمنين أن يفعلوا ذلك ، وأمرتهم أن تكون نجواهم بالبرّ وتقوى الله الذى إليه يحشرون. ووصفت النجوى بأنها من الشيطان ، وردّت الدافع إليها عند غير المؤمنين هو إدخال الحزن على المؤمنين ، والدافع النفسى أقوى من أى دافع مادى ، وإحباط المسلمين إصابتهم بالاكتئاب وبلبلة تفكيرهم ، والفتّ فى عضدهم ، وهو نوع من الحرب النفسية المقصود بها اختراق الدفاعات النفسية للمسلم ، وإضعاف جبهته الداخلية ، وخلخلة مقاومته ، وإنهاك قواه الذاتية ، وذلك كله لا يمكن أن يتحقق مع إيمان المؤمنين ، فالإيمان يكسبهم مناعة ذاتية ، وهو بمثابة الدرع الواقى. والتناجى لا يضر أحدا ، إلا لو كان هذا الضرر قد كتبه الله على المضرور من قبل وقوع الضرر ، ولا ضرر من التناجى إذا توكل المؤمنون على الله حقّ التوكل ، وفوّضوا إليه أمرهم ، واستعاذوا به من أذى المتناجين ، ويشبه التناجى فى العمليات النفسية ما يسمونه «التأثير عن بعد» و «التأثير بالإيحاء» ، وكلاهما من أبواب التحليل والطب النفسى. والوصفة الطبية التى يصفها القرآن لإبطال مفعول التناجى هى وصفة نفسية ، وهى المزيد من الإيمان بالله ، والأخذ بأسبابه والاعتقاد جازما أنه ما أصيب مؤمن ولا نجا إلا بإذنه تعالى ، وعن الرسول صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أن يحزنه» ، أى حتى لا يقع فى نفسه ما يحزن لأجله ، ولا يظن أن حديث الاثنين عنه بما يكره ، أو أنه ليس أهلا ليشركوه فى حديثهما ، والخطاب للمؤمنين ، والتعليم لهم ، فلا يتناجى أربعة دون واحد ، ولا عشرة ، ولا ألف ، والآية ضمن باب آداب السلوك فى الإسلام. وطالما أننا بصدد الآداب العامة للسلوك فى الاجتماع ، فإن السورة تطرّقت إلى آداب المجالس ، تقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) ، والخطاب والتعليم للمؤمنين ، أمروا أن يفسحوا لإخوانهم فى المجالس أيا كانت ، سواء كانت للعلم ، أو للذكر ، أو للمداولة فى أمور السياسة والتجارة ، أو للصلح ، فإن لكل واحد من السامعين أو المشتركين مكانا فيها حتما ، وهو أولى به بحسب أحقيته ، والمعيار فى ذلك هو الإيمان والعلم ، فأهل الصلاح والعلماء لهم السبق إلى صدور المجالس ، وهؤلاء يرفعهم الله درجات عن غيرهم من السواد والعامة ، ولهم الرفعة ، والمؤمن مرفوع بإيمانه أولا ، ثم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
