وفيهما الفاكهة من جميع الألوان ، جزاء لكل من خاف قيام ربّه واطّلاعه عليه ، ولمن همّ بالمعصية فتذكّره تعالى فتركها خوفا منه. وفى الجنتين فرش من الديباج ، وثمر الشجر دان عليهم ، وعلى الفرش نساء بكر محتشمات حيّيات ، شديدات الجمال والصفاء ، حتى لكأنهن الياقوت والمرجان فى الصفاء والبياض ، وهذا بعض إحسان الله للمحسنين ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ومن دون هاتين الجنتين جنتان أخريان ، فيهما العيون الفوّارة ، والفاكهة ، والنخل والرمان ، ونساؤهما خيّرات ، ليس أحد فى حسنهن ، فعيونهن حور ، وتسترهن الخيام ، تفرشها البسط الخضراء ذات الحواشى والرفارف ، وذلك فضل الله يؤتيه المحسنين ، فهل بعد ذلك من عذر أو حجة للتكذيب والجحود والنكران؟ وهكذا نأتى إلى ختام السورة ، بأحسن كلام فى الله تعالى وتمجيده والثناء عليه ، بقوله تعالى : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٧٨) أراد به اسمه الرحمن الذى ابتدأ به السورة ، كأنه يعلّم أمة محمد : أن كل هذا الخلق كان خروجه من رحمة الله ، فمن رحمته أنه خلقنا وخلق السموات والأرض ، وخلق الخلق والخليقة ، والجنة والنار ، وكل ذلك من اسمه «الرحمن» يثنى بكل ذلك على نفسه ، ثم قال إضافة لاسمه «الرحمن» (ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، لأنه الجليل فى ذاته ، والكريم فى أفعاله. فله الحمد والمنّة.
* * *
٦٣٨. سورة الواقعة
السورة مكية ، قيل : إلا الآية : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) ، وقيل : إلا أربع آيات ، منها الآيتان : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) نزلتا فى سفره إلى مكة ، والآيتان : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠) ، نزلتا فى سفره إلى المدينة من مكة ، والصحيح أن السورة كلها مكية ، وآياتها ست وتسعون ، وترتيبها فى المصحف السادسة والخمسون ، وفى التنزيل السادسة والأربعون ، وموضوعها : القيامة وما يتلوها ، واسم القيامة فى السورة هى الواقعة ، من استفتاح السورة بقوله تعالى : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) (١) ، أى إذا قامت القيامة ، وهى واقعة حتما ، وجواب إذا : (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) (٢) ، يعنى وليس من شىء يكذّب أنها ستقع. ولأنها واقعة سميت بهذا الاسم ، كتسميتها فى سور أخرى الصاخة لأن لها دويا يصخّ الآذان ؛ والآزفة : لأنه قد أزف موعدها وحان ؛ والطامة : لأنها تطمّ على كل شىء مفظع.
وتتكون السورة من تسعة مشاهد أو أجزاء ، تنضم معا وتكوّن وثيقة مستندية لأوصاف يوم القيامة ، فمن أراد أن يعرف عن وقائع هذا اليوم ، وفئات الناس فيه ، وأنباء أهل
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
