فكفروا ، فأرسل عليهم ريحا صرصرا كالطوفان ، جعلت يومهم نحسا ، وكانت تنزعهم نزعا كأعجاز النخل المنقعر ، وذكرت قصتهم فى القرآن للعظة والعبرة ، فهل من مدّكر؟ وكذبت ثمود بنبيّهم ، بدعوى أنه بشر مثلهم ، ووصفوه بأنه كذّاب أشر. وكذّب أصحاب الناقة صالحا وائتمروا بناقته فعقروها ، فما كانت إلا صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ، أى حشاش الأرض الجاف فى حظائر الماشية. وقوم لوط تماروا بالنذر ، فأرسل عليهم ريحا حاصبا ترميهم بالحصباء ، صبّحهم بها بكرة لمّا راوده عن ضيفه. وآل فرعون كذبوا بالنذر ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وكل هؤلاء أوردوه عنهم القرآن لعل كفّار مكة يتّعظون ، فهل هم خير ممن سبقوهم وجاءت بأخبارهم الكتب؟ أو أنهم واثقون من النصر بما أعدوه وهيئوه من أسبابه؟ والله غالب على أمره ، ولقد وعد أن يهزم الجمع ويولوا الدّبر ، وأن موعدهم الساعة ، والساعة أدهى وأمرّ ، فهل من مدّكر؟! وتصفهم السورة بأنهم مجرمون ، وعقيدتهم ضلال ، وعذابهم السعر ـ أى جهنم ، يسحبون فيها على وجوههم ، وتسعرهم النار ، وتسوّد وجوههم. وتختتم السورة بموجز للدرس المستفاد منها : أن قضاء الله أسرع من لمح البصر ، وأنه تعالى قد أهلك أمما قبل هؤلاء الكفرة من قريش ، وكانوا أشباههم ، ورصد كل ما فعلوه فى الكتب وأحصاه ، فهل يتعظون؟ فلما ذكر المكذّبين تلا ذلك بذكر المتّقين نقيضهم ، وهؤلاء مقارنة بهم فى جنات ونهر ، لهم مقاعد صدق ومجالس حق ، عند ربّهم المليك المقتدر.
وفى السورة كثير من المصطلحات والأمثال ، فمن المصطلحات : «الساعة» : أى يوم القيامة ؛ واليوم العسر : وهو يوم القيامة أيضا ؛ والعقر : هو النحر ، وقيل : كان اسم الذى عقر الناقة قدار ، فأطلق على الجزّار من ثم اسم قدار ؛ وسقر : هى جهنم ، ويقال لها أيضا لظى ؛ ومقعد صدق : هو مجلس الحقّ ، أى المجلس حين يخلو من اللغو والتأثيم ، ومقاعد الصدق أصلا لا تكون إلا فى الجنة. ومن الأمثال والحكم البالغة قوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : تحذير ووعيد باقتراب يوم القيامة ، وأنه لم يبق على ذلك من الوقت لقيامها إلا قدر ساعة ؛ (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) تقال عن المستحيل ، إلا ما كان بالنسبة لله تعالى ؛ وقوله : (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (١٦) : تكررت كاللازمة أربع مرات فى السورة ، ويقال ذلك استعظاما للنذر واستبشاعا للعذاب ؛ وقوله : (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (١٥) : والمدّكر هو المتّعظ ، و «هل» : كلمة استفهام تستدعى حضور الأفهام ، والعبارة كلها حجّة على من يسمع ويقرأ القرآن ولا يتّعظ ، وتكررت كاللازمة ست مرات فى السورة ؛ وقوله : (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) : عبارة بليغة صارت على الألسنة ؛ وقوله : (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) (٢٦) : توعّد
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
