عليه مع طول صحبتهم له ، فعبّر عن ذلك بلفظ (صاحِبُكُمْ) (٢). وموضوع هذه الآيات : هو الإسراء الذين لم يصدّقوه فيه ، فلقد روى لهم أن جبريل استوى بقوته فى الأفق ، وكان فى صورته الملكية ، ورآه النبىّ على هذه الصورة ، وكان بحراء ، فطلع له من المشرق وسدّ بهيئته الأفق الأعلى ، وتدلّى حتى دنا منه ، فأوحى إليه ما أوحى ، فهذه هى المرة الأولى ، وما كذّب فؤاده ما رأته عيناه ، ووعاه بصره ولا شك فيه ، وما كان ينبغى أن يماروه فيما رأى ، ولا أن يجحدوه. ثم رآه مرة أخرى فى ليلة الإسراء ، نازلا إليه ، عند سدرة المنتهى حيث انتهى به المعراج ، والسدرة يغشاها ما يغشاها ، وعندها جنة المأوى ، وما جاء فى هذه الآيات من المصطلحات من أمور الغيب. وما يرويه مما رأى ، هو ما أبصره بعينيه ، ووعاه بعقله ، وما زاغ بصره ، ولا ضلّ عقله ، ولا جاوز حدود ما أطلع عليه ، ولقد أطلع على الكثير ، وكلها آيات كبرى.
ثم يأتى الجزء الثانى من السورة ، وأوله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) (٢٢) ، فلما ذكر الوحى والإسراء والمعراج ، وذكر من آثار قدرة الله ما ذكر ، حاجّ المشركين فى عبادتهم لما لا يعقل ، ولاعتقادهم فى أصنام من حجر ، وردّ عليهم قولهم بأن اللات والعزّى ومناة هن بنات الله ، مثلما الملائكة التى قال بها هن بنات الله فى زعمهم ، فكيف إذا اختاروا لأنفسهم يختارون أن يكون لهم أولاد من الذكور ، وإذا اختاروا لله يختارون له البنات؟ وما كان ما يعبدونه إلا أسماء أسموها لا وجود لها فى الواقع ، فكأن ما يقوله فلاسفة الوضعية المنطقية حاليا يستقونه من هذه الآية ، لأنهم أنكروا الإقرار بالوجود إلا لما يكون من الواقع ، فما ليس من الواقع وإن كان فى كلامنا ، فوجوده nil ، أى معدوم ، والآية تقول ذلك ، وترد الموجودات المتوهّمة إلى : (الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (٢٣) ، وتبطل دعواهم أنهم ما يعبدونها إلا زلفى أى للشفاعة ، فلا أحد من المخلوقات يملك أن يتشفع من تلقاء نفسه إلا أن يأذن له الله ، وحتى الملائكة لا تملك أن تتشفع لأحد إلا بإذنه تعالى ، والحال مع هؤلاء هو الإعراض عنهم طالما هذا هو اعتقادهم ، وهو كل مبلغهم من العلم ، وأما المؤمنون فسيكون جزاءهم الحسنى.
ثم يكون الجزء الثالث من السورة عن واحد من الذين كفروا وأساءوا ، وهو الوليد بن المغيرة ، فقد تولّى وبخل واستغنى ، مع أنه يعلم مما جاء فى كتب السابقين ، أن الإنسان ليس له إلا ما يسعى ، وأن سعيه سوف يرى ، وأنه إلى الله المنتهى ، وأنه تعالى العادل لا تتعدى عقوبته غير المجرم ، وهو تعالى القادر الذى يميت ويحيى ، ومثلما خلق من لا شىء ، فبوسعه أن يعيد ما خلق ، وأن يغنى ، وأن يفقر ، وهو ربّ الأكوان والأزمان ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
