٦٣٢. سورة الذاريات
السورة مكية ، وآياتها ستون ، ونزلت بعد الأحقاف ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والخمسون ، وفى الترتيب السابعة والستون ، واسمها الذاريات من قوله تعالى فى مستهلها : (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) (٤) يقسم بآية من آياته كالشأن فى السور المكية ، وهى هذه المرة الرياح ، لها أحوال أربعة مختلفة ، وإذا أقسم الربّ بشيء أثبت له شرفا : فالرياح تكون ذاريات : لأنها تذروا الأمطار ذروا. فصارت ذاريات ؛ وتكون حاملات الأوقار ، والمفرد وقر ، يعنى تحمل أنصبة كل بلد أثقالا من الأمطار ؛ وتكون جاريات يسرا : تجرى رخاء ، ويسمونها الرياح التجارية ، لأنها تسيّر المراكب إلى حيث تقصد ؛ وتكون مقسّمات ، فمنها العاصف ، والطيبة ، والقاصف ، والرواكد ، والرخاء ، والممطرة ، والعقيم ، والصرصر العاتية ، واللواقح ، والمبشّرات. وجواب القسم : أن الذى يعدكم به هذا القرآن من البعث والنشر والحساب والعقاب لأمر واقع. وكما أقسم الله تعالى بالريح فإنه يقسم بالسماء ويصفها أروع وصف أنها «ذات الحبك» ، يعنى محبوكة البناء ، متناسقة ، مرفوعة ، متسعة الأرجاء ، أنيقة البهاء ، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات ، موشّحة بالكواكب الزاهرات. ثم يتوجه بالقسم إلى المنكرين فيقول : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) (١٠) ، يقصد بهم أهل مكة الذين اختلفوا فى أمر محمد والقرآن ، وهم بين مصدق ومكذّب ، فمن قائل بأنه ساحر ، أو شاعر ، أو مجنون ، أو كاهن ، أو أن هذا القرآن ليس سوى أساطير الأولين ، أو أنه افتراه ، ومنهم من نفى الحشر ، ومن شكّ فيه ، ولا يؤفك ويصرف عن الإيمان إلا الضالون الغمور المأفونون الذين لا أفهام لهم ، وإنهم لخرّاصون كذّابون ، ساهون غافلون فى غمرتهم ولهوهم ، ولقد تساءلوا عجبا واستهزاء عن يوم الدين ، فجزاؤهم جهنم يفتنون عليها ويعذّبون. ثم تتحدث السورة عن المتّقين وهم المؤمنون ، وما أعد لهم فى الآخرة من النعيم والكرامة ، لأنهم كانوا فى الدنيا محسنين ، فبعد أن ذكر الله تعالى الكفار ومآلهم فى الجزء السابق ، ذكر المتقين ومآلهم فى هذا الجزء ، على طريقة القرآن الجدلية فى الترحيب والترغيب ، وإيراد المتقابلات ، لتتضح المقارنة وتقع المفاضلة ويتم الاختيار. ثم تنتقل السورة إلى ما يقوّى فى الناس اختيار الإيمان ، بإيراد الدلائل على وجود الله ، وعلى قدرته المطلقة ، كقوله تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (٢١) ، والأرض فى مختلف بقاعها حافلة بالآيات والعبر ، وفى خلق الناس من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم آيات وآيات ، وفى أرزاق كل إنسان ، وكيف كانت الأرزاق
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
