مثواهم ، ومحل إقامتهم الدائم ؛ وأما المؤمنون المتّقون فإنهم يرشدون إلى الجنة جماعات ، فتفتح لهم أبوابها ، ويسلّم عليهم خزنتها ، ويدعون لهم بطيب الإقامة ، ويبشرونهم بالخلود ، ويحمد هؤلاء لله الذى صدقهم وعده ، وأورثهم الجنة يتبوءون منها حيث شاءوا فنعم أجر العاملين. وغير بعيد يرون عرش الله تعالى ، والملائكة يحيطون به من كل جانب ، يسبّحون لله ويمجّدونه ، وقد ساد السلام ، واستتبّ العدل ، وأقيم الميزان ، فصار لسان حال الجميع : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٧٥) ، ينطق بها كل الكون ، فلم تنسب لقائل ، فدلّ على أن الكل يشهدون بها. فلله الحمد والمنّة.
* * *
٦٢١. سورة غافر
السورة مكية ، وتسمى «غافر» ، و «الطّول» ، للآية فيها فى وصف الله تعالى (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٣) ، وأصل الطول الإنعام والفضل ، ومنه قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) (٢٥) (النساء) أى : غنى وسعة. وهو «ذو الطول» يعنى أنه المستغنى إذا لم تقل : «لا إله إلا الله» ، وهو «شديد العقاب» عدلا لمن لم يقل : «لا إله إلا الله» وقيل : «ذى الطول» يعنى «ذى المنّ» ؛ وقيل : «ذى التفضل» ، والفرق بين المنّ والتفضّل : أن المنّ عفو عن ذنب ، والتفضّل إحسان غير مستحق. وقيل : الطّول مأخوذ من الطّول ، كأنه طال بإنعامه على غيره ، أو لأنه طالت مدة إنعامه. وتسمى السورة أيضا «سورة المؤمن» ، لاشتمالها على قصة «المؤمن من آل فرعون فى قوله تعالى : (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) (٢٨) ؛ وهى من السور الحواميم ، أى التى تبدأ بالحرفين المقطّعين «حم» ، وعددها سبع سور ، أولها سورة غافر. وحم (١) ، ون (١) ، والر (١) وغيرها تبدأ بها بعض سور القرآن ، باعتبارها حروف الهجاء التى تصنع الكلمات التى هى وحدات بناء آيات كتاب الله المقروء ، أى القرآن ، كمقابل للعناصر الفيزيائية التى تصنع الكائنات التى هى وحدات بناء آيات كتاب الله المرئى والمشاهد والمحسوس ، أى الكون. وقيل : «حم» اسم من أسماء الله ، أو اسم من أسماء القرآن ؛ وقيل : إن الحروف المقطّعة كلها فى الحواميم وفى غيرها هى فواتح للسور ؛ وقيل : الحاء فى «حم» افتتاح أسمائه : حميد ، وحنّان ، وحليم ، وحكيم ، والميم : افتتاح اسمه : ملك ، ومجيد ، ومنّان ، ومتكبّر ، ومصوّر. ولمّا سئل النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «ما حم فإنّا لا نعرفها فى لساننا؟ قال : «بدء أسماء وفواتح سور». وقيل : حم كأنها حمّ أى قضى ووقع ما هو كائن ، والمعنى قرب نصره لأوليائه وانتقامه من أعدائه.
وقيل : سورة «غافر» مكية ، إلا الآيتين السادسة والخمسين والسابعة والخمسين فإنهما
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
